الكاتبة : أمان السيد - إستراليا
ما أود الخوض فيه حول طريقة تعامل المعلم مع موسى النبي الذي تصفه مواضع أخرى من القرآن الكريم بسريع الهبوب، والانفعال تجاه أمر يجابهه، ثم سرعان ما يندم ويستغفر ربه، أذكر ذلك في معرض استنصاره الذي من شيعته على عدوه " فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مبين" القصص (15)
وكان سيهب لنصرته إثر دعوة منه ثانية لولا أن تيقظ لكلمة حق أتته من عدو آخر له، فتنبه لما كان سيجر من الغواية "قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ" القصص (18).
"َقَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي ۚ وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" الأعراف (143)
انظر الأسلوب الذي يتحاور به الطرفان رغم أنه يمكن القول إنهما تدانيا في المكانة إلا أن الله الذي قال "إنما يخشى الله من عباده العلماء" فاطر (28) جعل من نبيه موسى متعلما أمام معلم مصطفى ليهيئه لأمر جلل، وأمض صدره بالقلق حيال أحداث شهدها معه بأم عينيه، فلم يستوعبها منطقه، رغم أن السورة أوحت أن تسرب الحوت بمثابة إشارة سماوية جعلته وفتاه يرتدان على أعقابهما قصصا ليباشر موسى رحلة التجلي المنتظرة..
وإذ بموسى العارف نفسه جيدا يرد على معلمه بأسلوب شرط مرتجيا فيه مساندة الله في ضعفه، عبارة تحلت بما ينتظر من متعلم شغوف من التأدب أمام من هو أعلى منه قدرا،
" قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" الآية (69)
فؤاد موسى المفطور على الإيمان استفزه خرق السفينة الذي يعني إغراق أهلها، وإذ به يهتف لمعلمه:
وقتل الغلام أفظع " لقد جئت شيئا نكرا" الكهف (74)
وكأن موسى نسي موقف التعلم برمته، فاستعاد هياجه الأصلي أمام ما شهداه في القرية التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وبعدها رأى من معلمه العجب، فكيف يقيم جدارا في قرية أهلها لؤماء تخلوا عن أبسط واجباتهم تجاه عابري سبيل، ألا وهو الضيافة؟!
"فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" الكهف (77)
"لن تستطيع معي صبرا" في حفاظ على الصيغة النحوية والصرفية نفسها ما دام ماء الدرس جاريا، ولكن عندما أشرف الختام تغيرت الأداة الناصبة النافية المستقبلية "لن"
" قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا" الكهف (78)
أسلوب المعلم الحكيم في تدرجه في عرض ما استفز صبر موسى حتى بلغ أوجه مع الحدث الأخير صاحبه تدرج في استعمال الفعل (استطاع) أيضا إلى أن تجلت الزبدة مع اللفظ الأرشق (تسطع) موحية أن المعلم تنفس صبره الأخير مع تلميذه المجادل المتشكك، وتعرى أخيرا ما أبهم وألغز على موسى..
وما السر في أن الفعل وردّ الفعل تواجها مباشرة دون تأجيل الموعظة لشاهد آخر في حكاية القرية البخيل أهلها، وإقامة الجدار حفاظا على كنز اليتيمين؟!
لعل الجواب اختبار ميداني يفعّل الاستفادة من خلفية هذا الدرس القيم، فكم من غوص وتحمّل لنتتوج بما نرغب!
