اعصفي يا رياح سقف بيتي حديد

الكاتبة : أمان السيد - إستراليا لم يتسن لأبي أن يمتلك سيارة، فاستبدلها بدراجة هوائية.. ليس لأن ثمنها لم يتوفر له، بل لأنها رغبة، بل سطوة أمي، وأنا أعذرها الآن، لا عندما كنت في ذلك العمر، فأبي كان يضع نظارة طبية سميكة الزجاج وراءها تتخايل عيناه بطيبتهما وناعسيتهما.. أمي التي عشقت أبي كما حين تعشق النساء عادة رفضت أن يسوق سيارة، ولعلها رأت أن الدراجة الهوائية أخف وطأ، هو رأي العاشقة المستبدة.. ولم يكن رأس أبي محميا بخوذة يستعملها العالم المتحضر الذي أراه حولي، فحكومتنا طغت مطامعها على سلامة أفرادها، وبالطبع لن يستحثها سحق رأس أحدهم أمام شاحنة أو سيارة بأربع عجلات، أو صاروخ روسي!  أبي في طقوسه اليومية وبعد عودته من عمله كمعلم، خاصة عندما يصادف دوامه بعد الظهر، يستقل تلك الهوائية، وبها يعدو إلى بيت أختيه اللتين كانت حالهما أبسط ما يمكن أن يوصف، فيمر بالكبيرة، ويقرع نافذة بيتها التي تشهد للطريق مباشرة بحضورها الوارف، ينقرها بإصبعيه ليطل وجه عمتي الناعم منها، تبتسم، وتهش لاستقباله سريعا، وعندما يطمئن إلى حالها يذهب إلى الصغرى، عمتي التي قدر لها أن تظل في وضع مادي أبسط من أختها التي أسعدها الدهر بعد سنوات، لم يتغير أبي معهما، وعندها يجلس بين أطفالها في مزاح وتسامر يشاركه إياه زوجها الطيب، وأبناؤها الذين ما تزال وجوههم تطل من نافذة روحي، وبين زوجي عمتيّ اللتين حظتا بحب زوجيهما، وحظ أبي باحترامهم وتقديرهم جميعا.  ليس شرطا هنا أن ينطبق المثل" خذ البنات من صدور العمات".. فاتني أن أذكر أني كنت أرافق أبي فوق دراجته، وأتنشق معه هواء الوصال وصلة الرحم، وحرصا على جمع أفراد عائلتي بحب ما أزال به حتى اليوم أثرى.  أما في العيد، فيتبدل الأمر، إذ نستقل معه جميعنا سيارة أجرة تتصدرها أمي برضى وقناعة ألا سوءا سيصيبنا ما دام أبي ليس الذي يقودها.. لو خيرت، فلن أستبدل بدراجة أبي الهوائية أعظم سيارة، فلن يكون لها ظهرها الذي أتمسك به واثقة وأغمض عيني بعيدا عن هموم الدنيا وتقلباتها..

الكاتبة : أمان السيد - إستراليا مقالات

أكان ميخائيل نعيمة سعيدا حقا أنه الآمن لسقف بيته الحديدي المستأثر المتنصل به عن مآسي البشرية حوله؟!
فما دام محصنا من الطبيعة بأعاصيرها، ومن قيامتها الصاخبة متى خطر لها لا تستأذنه فهو المنجّى بفضل ما امتلك!
أم أنها دعوة مبطنة لحكمة وسّعت السقف من منظور الجمود إلى اشتغال القلب؟!
ليس وهو صاحب النظرة التأملية التي عافت القشر لتغوص في اللب، هناك حيث الألم مضاعف لمن عقل..
من منا يتذكر تلك الأبيات التي عُلّمها طفلا، ومن يستطيع أن يساعد شخصا مثلي في ترتيق ذاكرة تهدهده بين الأحداث، فتؤرقه، وتدميه؟!
نصبُ الأمير الشامخ الذي حط عليه عصفور في طريقه إلى أرض أخرى حيث الدفء ضمن دورة الرحيل، استوقفته دموع تتساقط من عينيه الحجريتين المرصعتين بالزمرد، وعندما استفسر منه، أجاب:
إني رأيت ما لم تره!
أتراها الرؤيا البصرية أم القلبية؟!
هناك طفل تنهب جسده الحمى، وأمه الفقيرة لا تملك ثمنا لدوائه.. فرّق لحاله، وقال:
كيف بإمكاني أن أساعده؟
قال:
خذ زمردة عيني اليمنى، وضعها على طرف نافذته، ففعل..
لكن دموع الأمير لم تتوقف!
وماذا بعد يحزنك يا صديقي الأمير؟
وأرى طالبا مسكينا يدرس على شمعة صغيرة، فخذ له جوهرة سيفي ليكتري مصباحا، فامتثل العصفور سريعا..
وتوالى الحدث، وتأزم الصقيع، واكتست الأشجار بالثلج، وانكفأت رحلة الدفء..

مر أناس بالقرب، فعثروا بعصفور تحجّر كقطعة ثلج، والتمثال الذي أحبوه خالي الوفاض، فاحتاروا لمن ينسبون المشاعر أقوى!

سقف بيتي حديد

ركن بيتي حجر
وإذا الفجر مات
والنهار انتحر
فانطفي يا نجوم
واحتجب يا قمر
من سراجي الضئيل
أستمد البصر
نعم..
هو السواد الذي ارتحل
وفي القلب الألق اشتعل
فهنيئا لمن به اكتحل
تعليقات