من أهم الأخطاء التي يتم ارتكابها بحق الأطفال هي تجاهل كرامتهم، وعدم ضبط النفس أمام مشاعرهم، والتعدي عليهم بالضرب الُمبرح اعتقادا لدى البعض بأنه الوسيلة الأفضل للتربية، وينسى الآباء أن كل ما يتم التعامل به مع الطفل سوف يتم دفع ثمنه حين يكبر هذا الطفل، وأنه لا ينسى وإن حاول أن يتناسى وأن القسوة تجعل قلبه قاسٍ على والديه، وأن العنف يجعل منه شخص عنيف، وان هدر كرامته يجعل منه انسان فاقد لمعنى الكرامة، وأن الخوف الذي عاش به في بيت أهله سوف يرافق روحه طوال حياته.
إن لم نكن قادرين على تربية الأطفال بشكل متوازن وعاطفي وعقلاني فلا يجب أن ننجب الأطفال لأنهم سيتحولون من أطفال إلى ضحايا، إن لم نكن قادرين على تحمل ضغوطات الحياة بنضج وحكمة دون أن نُلقي بظلال ما نعيشه من صعوبات على أرواح وأجساد الأطفال فلا يجب أن نُنجب أطفال، لأن من يُنجب أطفال ثم يمارس العنف ضدهم، أو الضغط النفسي، أو الاحتقار المعنوي، أو الكره الصامت، أو الإهمال المقصود أو غير المقصود، فهو لا يمنح للمجتمع شخصيات قوية مُبدعة وناجحة، بل يُلقي إلى المجتمع بشخصيات مهزوزة نفسياً، مُدمرة روحياً، ضعيفة جسدياً، فقدت الشعور بالاعتزاز بالنفس، وفقدت ومبكراً الشعور بحب الحياة، لذلك لابد أن يدرك من يريد أن يُنجب أطفالاً أنه لابد أن يكون صالحاً لأن يكون أب أو أن تكون المرأة أم قادرة على تحمل مسؤولية كونها أم.
وهناك من يعامل أطفاله على أنهم مسؤولين عن معاناته بل أنهم سبب فشله في الحياة، فحتى لو لم يقل ذلك نظراته وردود أفعاله تقول ذلك، ولا يدرك عدد كبير من الإباء أن الأطفال ومنذ نعومة أظافرهم يفهمون طبيعة علاقتهم مع آباءهم، لا يستطيعون التعبير عنها ولكنهم يفهموها بشكل عميق وغير عادي، فحتى إن الطفل ذو الخمسة سنوات قد يمتنع عن طلب شيء ما من والده لأنه يشعر ويعلم أن والده لا يحبه وانه لن يلبي له هذا الطلب، وحتى الفتاة بسن صغيرة تعلم وتشعر إن كانت والدتها ترغب بوجودها معها أو تنفر من ذلك.
حين يدرك كل أب وأم أن طفولة الأبناء هي أساس البيت الذي سيتم بناءه في المستقبل، فلن يتم العبث بهذه الطفولة وسيكون من المهم التفكير بجدية بحياة هذا الطفل وكيفية تربيته والتعامل معه، فكل ما يتم زرعه في الطفولة سوف تظهر له ثمار وفروع في الكبر، البذور السامة سوف تنتج ثمار سامة، العنف سيفرز عنف، الكره سوف يتربع على القلب، والمحبة كذلك سوف تُعطي محبة، والرحمة سوف تمنح الرحمة.
من أشد أنواع التفكير سطحيةً هو الاهتمام بنفسية البالغين ومنحهم كل الرعاية والإصغاء، بينما يتم تهميش الأطفال تحت ذريعة أنهم لا يفهمون ولكننا لا نعلم انهم يفهمون ويشعرون ويُخزنون كل كلمة وكل تصرف، لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، ولكن حين يكبرون ويتكلمون سوف تحصل الصدمة، وسوف يواجهون من أخطأ بحقهم، ربما لن يطالبوا بالتعويض ولكنهم بالتأكيد سوف يبتعدون ويلجؤون إلى أحدٍ ما يمنحهم الحب ويرمم تلك الجراح القديمة التي لا تندمل، وربما لن يكون هناك أمل في ترميم ما تم كسره في تلك المرآة التي كانت ناصعة ومشرقة.
