الكاتبة الصحفية : مادونا عسكر - لبنان
استناداً إلى التّصدير، يقدّم الكاتب نفسه كضحيّة. فهو في عمقه يشعر أنّ هذه التّجربة إثم ثقيل يحاول أن يتخلّص منه من خلال إظهاره للعلن. فللحديث الشّريف في التّصدير (الإثمُ ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس) دلالة على ذلك، كأنّه ينبّه القارئ إلى أنّ الصّدق التّام والصّادم الحاضر في المضمون، ما هو إلّا اعتراف بهذا الإثم لينزع عنه ثقله. فإذا اطّلع عليه القارئ انتفت عنه صفة الإثم. وبذلك يريح الكاتب ضميره من جهة. ومن جهة أخرى يعتمد على هذا الحديث كوسيلة دفاعيّة غير واعية أمام القارئ الّذي قد يحكم عليه من خلال القصص الواردة في الكتاب.
بطبيعة الحال لم يخرج الكاتب من هذه التّجربة وهو راَضٍ عن نفسه، فهو يعيد قراءة هذه التّجربة على ضوء الحاضر النّاضج والمتحرّر. إلّا أنّه أظهر شجاعة في مواجهة هذه التّجربة الّتي أظهرت جوانب من شخصيّته: كالغرور والعبثيّة والعاطفة الّتي غالب الظّنّ تطبع شخصيّة الكاتب.
- العبثيّة:
يبدو الكاتب في نصّ (هذه هي أشدّ الأفكار غباء/ ص21) عبثيّاً متأمّلاً النّهاية الحتميّة: "ماذا ستستفيد البشريّة من مقالٍ كُتب؟ وما معنى أن تكتب أصلاً؟ وما الفائدة لتعابث مثل هذا العبث؟ ألتصبح مؤلّفاً مشهوراً ومفكّراً وشاعراً وروائيّاً وناقداً؟ وماذا يعني كلّ ذلك؟ ولماذا تريد أن تصبح شيئاً من ذلك وأنت ستؤول إلى "لاشيء" في نهاية المطاف؟" فيتساءل في هذا النّصّ عن أهمّيّة المعرفة والقراءة والكتابة في حين أنّ كلّها آيلة للزّوال، للموت. الكاتب في مواجهة السّؤال عن أهمّيّة الوجود بحدّ ذاته وعن الغاية المرجوّة منه. فيبرّر حزنه الكبير، لكنّه يضيف عبارة لافتة فيقول: "ألا يكفي ذلك لأكون حزيناً وإن كنت شبقاً أيضاً؟"، فهل تناقض الحزن والشّبقيّة في هذه الجملة أم أنّ العبثيّة دفعت الكاتب ليقيم علاقات عاطفيّة متعدّدة أدّت به لموت من نوع آخر. فهرب من عبثيّة إلى عبثيّة؟ هل كان يبحث عن السّعادة في هذه العلاقات ليتحرّر من العقلانيّة والتّفكير والبحث الوجودي؟ أيّاً كان الجواب، فالنّتيجة هي أنّ الكاتب هرب ممّا اعتبره وهماً إلى وهم آخر وغرق فيه حدّ النّخاع. ولعلّ هذه العبثيّة تنطلق من الدّائرة الواسعة ثمّ تضيق شيئاً فشيئاً حتّى تخنق الكاتب. فالدّائرة الواسعة هي الكتابة، وصراع الكاتب مع شريعة الغاب والأحكام المطلقة جزافاً كما صراعه مع عبثيّة الكتابة نفسها. وأمّا الدّائرة الضّيّقة فهي نفس الكاتب حيث يتمّ الصّراع الحقيقيّ وحيث يفعل اللّاوعي فعله في سلوكيّاته الّتي قد تكون غير مفهومة للآخر، أو على أقل تقدير يتمّ الحكم عليها ظاهريّاً.
- الغرور:
تُرى من يظنّ نفسه هذا الكاتب؟ فهكذا سلوك ينمّ في الظّاهر عن غرور وتعالٍ مغلّفين بالرّومانسيّة. إلّا أنّه في تأمّل بسيط للعمق يمكن استنتاج محاولةً غير واعية من جانب الكاتب لفرض الكتاب أو لجعله ذا أهميّة. فلحرق الكتب دلالات وإشارات اقتنصها الكاتب وخزّنها في عقله، لكنّه يفتح قوسين على حرق بعض الكتب وبعض المؤلّفين كتعبير عن نقمة على أشباه الكتّاب والشّعراء.
لعلّ ما أعلنه الكاتب في نصّ "ما أجملك أيّتها الحرّيّة/ ص40"، مدخل إلى عمق أعماق الكاتب. ولعلّه شاء في هذا النّصّ أن يمهّد للقارئ قراءة النّصوص اللّاحقة وفهمها. فيجلو مرآة نفسه ويعبّر بصدق وحرّيّة. فالحرّيّة عند الكاتب تعني الكتابة بصدق، فالكاتب الحقيقيّ يكتب ذاته كما هي ويدخل القارئ في سراديب نفسه وإن كانت مظلمة حتّى الموت. ولا بدّ للقارئ من أن يتطلّع إلى ما هو أبعد من قصص وسرد، فبطبيعة الحال للكتاب هدف وليس محصوراً بسرد "البطولات" الزائفة والعلاقات الغراميّة.
- العاطفة الملتبسة:
هذه هي "العاطفة الملتبسة"، بل يمكنني القول "العاطفة الضّعيفة" تحتاج إلى إشباع عبّرت عنه النّصوص الّتي تضمّنت علاقات الكاتب الافتراضيّة مع نساء عديدات لم تخلُ من الابتذال وشيءٍ من الفوقيّة الذّكوريّة الّتي لا ترى في المرأة إلّا جسداً يغوي. فالكاتب في هذه النّصوص استخدم المرأة كسلعة لإشباع خياله وعاطفته وربّما غريزته الجنسيّة الافتراضيّة، مع العلم أنّ نساء الكاتب في القصص هنّ المسيطرات، وهو المستجدي لهنّ وأسيرهنّ. وإنّ قدّم الكاتب نفسه كضحيّة إلّا أنّه قدّم نساءه كضحايا كذلك. وأظّنّه بسرد قصصهنّ معه، وجرأتهنّ وإن الافتراضيّة، وبحثهنّ عن إشباع غريزتهنّ وإرسال صورهنّ العارية له، أظّنه يقول إنّ الرّجل والمرأة على حدّ سواء يعانيان من كبت اجتماعيّ وعاطفيّ ونفسيّ. هؤلاء النّسوة لم يقتحمن مدينة الكاتب رغماً عنه، ولا هو اقتحم أسوارهنّ رغماً عنهنّ. ما حصل في الحقيقة هو ممارسة في الخفاء ما هو ممنوع في العلن. وعلى الرّغم من الكذب والمراوغة اللّذين تظهرهما هذه السّلوكيّات إلّا أنّها تشير إلى النّفس الإنسانيّة المكبوتة والمحتاجة إلى الإشباع العاطفيّ والغرائزيّ. وأعتقد أنّ الكاتب أراد أن يقول إنّ أغلب الأشخاص يختبئ خلف هذا الفضاء الأزرق ليعبّر عن حاجاته المكبوتة خاصّة الجنسيّة. بيد أنّ هذه العلاقات الواهمة الّتي ينعتها الكاتب بالعشق والحبّ ما هي إلّا خيال وأوهام. هذه العلاقات الافتراضيّة منحت الكاتب لذّة ما وأشبعت غروره ربّما، أو أنّه كان يبحث عن شيء مختلف، أو كان يبحث عن الحبّ بطريقة خاطئة. وقد تكون إحدى هذه العلاقات مع إحداهنّ تقمع في داخل الكاتب الغيرة أو الشّعور بالنّقص ممّن يسمّيهم "أصدقاءها الكتّاب الكبار".
قد يكون الأمر صحيحاً من وجهة نظر الكاتب، إلّا أنّ هذه التّجارب لا تدخل في إطار البحث عن الحبّ. مع أنّ الكاتب استخدم لفظ الحبّ واحداً وستّين مرّة، وغالب الظّنّ أنّ الأمر اختلط عليه، فتوهّم أنّه يعيش حالات حبّ في حين أنّها مجرّد حالات عاطفيّة، بل مجرّد حالات غرائزيّة عبّر فيها الطرفان- الكاتب ونساؤه- عن إشباع غرائزي خياليّ واهم. وبلغت الغريزة ذروتها في نصّ "عاهرة على أطراف الكون/ص218". وصف للغريزة بأبشع صورتها ووحشيّتها. فيظهرها الكاتب بشكلها الحيوانيّ المطلق ويلوّح لدور الرّجل المسبّب في تجريد هذه الغريزة من إنسانيّتها أو هدفها كتعبير عن الحبّ. يقابل هذا النّصّ نصّ آخر "مع الألمانيّة في شقّة صديقتي/ص225" يظهر فيه الذّكوريّة المريضة المنحدرة كذلك إلى الحيوانيّة فتلهث خلف جمال ظاهريّ بدافع الغريزة فقط.
- أين أخطأ السّارد؟
لقد أصاب السّارد في إبراز التّناقضات الإنسانيّة بين الظّاهر والعمق الإنسانيّ الحقيقيّ. كما دلّ بشكل مباشر على العلاقة الجنسيّة بين الرّجل والمرأة بمفهومها الحيوانيّ، ولعلّه أراد للقارئ أن يعيد بناء مفهوم العلاقات على أنواعها. وبيّن أنّ المستور في أعماق النّفس هو ما يحدّد الأخلاقيّات وليس الظّاهر منها. لقد أصاب السّارد في تلميحه إلى أنّ الظّاهر الدّينيّ لا يحمي الإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة من الغريزة، وإنّ العقل والفكر هما من يهذّبانها ويرتقيان بها. وبلغ صواب الكاتب ذروته عندما وضع نفسه تحت المجهر فوضع معه كثيرين؛ فاتّسعت الصّورة، وظهرت بتفاصيلها الدّقيقة. ولعلّك أيّها القارئ حينما تقرأ هذا الكتاب تقف أمام مرآة نفسك فتتبيّن.
