كنت في عمر صغير جدا، وكنا نصيف في بيت استأجره لنا والدي في قرية تدعى "مرج خوخة" تلحق بقضاء "سلمى" التابع لمدينتي، رغب أن يبعدنا عن آب اللهاب.. هناك صادف أن شاهدت قرباطيا يركب لأحد القرويين سنا ذهبية خطف التماعها قلبي الغر، فسارعت ألح على أمي بمثله، ولكنها رفضت بشدة!
لست أعلم لمَ رفضت رغم أني أذكر سنها الذهبي الذي كانت تنشق عنه ابتسامتها، فيشهق قلبي معه، وقلب أبي العاشق أيضا، كان سنها من الذهب الخالص كما تنامى إلي، موضة سادت ذلك الزمن قد تقابل ما تفعله فتيات زمن لاحق بلصق حبة ستراس على واحد من أسنانهن.
أستحضر إحباطي إذ لحقت بالقرباطيّ الذي امتطى حماره لافا به زقاقات القرية، ثم جلوسي قبالته على حجر أراقب ما يفعل، وأشعر بالتحسر!
أمن الممكن القول إن أطباء تجميل الأسنان انعكاس غير شفاف للقرباط صانعي تلك الأسنان؟ على الأقل إن أولئك القوم أخلصوا لعملهم، ولم يسعوا سوى إلى ما يقوّم أودهم، وهم الذين يلتحفون الأرض، ويستترون بسقف قماش لا يستبدلون بالحرية القصور والقباب، وأخضر العملات، ثم أستدرك، ماذا لو أن أمي قبلت، وامتلكت سنا ذهبيا صار لي علامة فارقة، وأنا التي أشارك في المجتمعات، وأعتلي المنصات في الاحتفالات، والمناسبات الرسمية؟!
