نعتقد أن العلاقات تنتهي بالشجار، بالطلاق، بالابتعاد، وبأشياء كثيرة لا حصر لها، ولكن النهاية الحقيقية لأي علاقة هي غربة القلوب، أن يتحول ذلك الذي كان جزء من حياتنا وقطعة من قلوبنا وأنيس مجالسنا إلى غريب، لا نجد شيئاً لنقوله له، لا نشعر تجاهه بشيء، تبدو كلماته كأنها آتية من بئر سحيق وجاف، ننظر إليه عسى أن نجد شيئاً ما من بريق العاطفة القديم ولكن كأن كل تلك الذكريات القديمة تلاشت وبهتت ألوانها، كأن ذلك الذي يجلس أمامنا شخص آخر لا نرغب بالتعرف عليه.
أي أن كل علاقة تُثير مشاعر ما بأعماقنا سواء إيجابية أو سلبية، عنيفة أو هادئة فهي علاقة حية وتمتزج بخلايا أجسادنا ونسيج حياتنا الواقعية؛ لذلك يجد الأطباء النفسيون صعوبة شديدة في علاج تلك العلاقات التي لم تنتهي، العلاقات التي تبدو معلقة في أرواح الأشخاص، يغادرون الطرف الآخر ويرحلون ولكن العلاقة نفسها لا تزال عالقة في وجودهم، كلمات الطرف الآخر لا تزال لها رنين في آذانهم، الذكريات لا تفارقهم، الرغبة بالاسترجاع والانتقام تراودهم لشهور وربما لسنوات.
لا يدرك الإنسان أي راحة تكمن في قدرته على زرع الغربة بداخله تجاه من أساء إليه، لا يدرك الإنسان ان هذه القدرة نادرة وثمينة بحيث لا يمتلكها إلا القلة القليلة بهذه الحياة، لأن أغلب البشر في حالة ملاحقة لمن حولهم أو هروب منهم، هناك دائماً هارب وهناك مُلاحق، ومن النادر أن نجد من يجلس مراقباً لهذا الدوران الذي لا ينتهي؛ لأنه في الحقيقة وفي الواقع، نحن لا نحيا أحراراً إلا بالقدرة على إيجاد هذه الغربة تجاه من أساء إلينا، أن نقطع ذلك الرابط الأخير ثم نمضي كأنه لم يكن، لذلك تبدو غربة المكان والثقافة أسهل بكثير من غربة القلوب، لأن غربة القلوب شيء لابد أن ينبع من أعماقنا شيء نزرعه وندرب أنفسنا عليه، بينما غربة الأماكن والثقافات هي شيء مفروض علينا، وحرية الإنسان الحقيقية تُقاس بمدى قدرته على التحرر من ما يتعلق به، وأن تكون كرامته أقوى روابطه مع الوجود وليس مشاعره تجاه الآخر.
