(كانت اللغة العربية ولا تزال أعظم العوامل الفعالة في توحيد العرب).
يوضح لنا الأطباء المتخصصون في مجالات المخ والأعصاب، أن الأطفال عند الولادة يكونون مهيئين للتحدث بأية لغة، ولكن في خلال عدة شهور بعد الولادة تقوى الوصلات العصبية لخلايا المخ، التي تمكنهم من استيعاب وصنع الأصوات التي تكوّن اللغة الأم، والتي تصلهم من البيئة المحيطة بهم, وفي الوقت نفسه تضعف الوصلات الخاصة بالأصوات التي لا تتردد في كلام البيئة المحيطة، وقد يكون بعضها جوهريا للغات الأخرى. وتدل الأبحاث الحديثة أن عدم بناء الوصلات العصبية اللازمة لأصوات أية لغة قبل الخامسة من العمر، يعني صعوبة أن يتمكن الشخص من التحدث بهذه اللغة. ويؤكد المتخصصون أن الثروة اللغوية والكلام تتكون عند الطفل في الفترة من الميلاد حتى السنة الثالثة, أما تكوين اللغة الأم فمن الميلاد حتى السنة الخامسة.
وهذا ما يفسر أيضا دور الكتاتيب في تعليم الصغار القرآن الكريم، مما يرسخ لديهم النطق السليم للغة العربية، والذي لا يتأثر مع تقدم عمر الطفل، أو حتى مع تعلمه لغة أجنبية فيما بعد. وهو ما لمسناه في عميد الأدب العربي رحمة الله عليه الدكتور طه حسين، الذي حفظ له تعليمه المبكر في كتّاب القرية لسانه العربي المبين، بالرغم من إتقانه بعد ذلك للغة الفرنسية.
ولكن البيئة المحيطة بالطفل في زماننا هذا تساهم في تراجع اللغة العربية لدى أطفالنا، فللأسف الشديد؛ هناك خلل كبير يقع من هذه المؤسسات الثلاث التي تحتضن الطفل في سنواته الأولى، وهي: الأسرة، والمدرسة، والإعلام. هذا الخلل يؤدي فعليا إلى إرسال رسالة ضمنية لأبنائنا بأن اللغة العربية ليست ذات أهمية، بل ويساهم في انبهارهم باللغات الأجنبية.
فالعملية التربوية التي تقع على عاتق هذه المؤسسات الثلاث توقع الطفل في حالة ازدواجية كبيرة، تفقده انتماءه إلى لغته الأم، فما بين أسر تستعين بخادمات أجنبيات لا يتحدثن بلغته الأم وإنما بلغة مهجنة ما بين العربية والأجنبية أو بلغة إنجليزية صرفة, وما بين المدرسة التي يصطدم فيها بمناهج لغة عربية جامدة وإذا تم تطويرها فما زالت أساليب التدريس نمطية غير جاذبة، مع غياب شبه تام لجماعات الأنشطة المدرسية في مجال الشعر والنثر والخطابة.
وتلعب كل من الأسرة والمدرسة دوراً في انبهار الطفل باللغة الأجنية خاصة الإنجليزية اللغة الأكثر شيوعا، واهتمامه بالحصول على علامات مرتفعة في هذه اللغة، خاصة إذا كان يدرس بها أيضا مادتي الحساب والعلوم, وفي نفس الوقت، نجد الأب والأم يفخران بتحدث الطفل الدائم باللغة الأجنبية من باب الوجاهة الاجتماعية، ويكون التليفزيون - وهو الأب الثالث الذي يربي أبناءنا تبعاً لأحدث الدراسات في هذا المجال - قد أوقع الطفل في دوّامة من الأفلام الكرتونية باللغة الأجنبية، تدور في بيئة غربية، وتحمل قيما غريبة على مجتمعاتنا, ويكمل الإعلام تآمره – عن قصد أم عن غير قصد- على اللغة العربية بأن يكون معلم اللغة العربية وكل من ينتمي إليها، في الدراما والبرامج الكوميدية، مادةً للسخرية والاستهزاء, وينتقل الطفل لمرحلة المراهقة وقد حمل الهاتف الخلوي وانعزل أمام شاشة الحاسوب الآلي، ليبدأ بالكتابة بطريقة الشات، التي أوجدت لغة "عربإنجليزية" إن صح لي استخدام هذا المصطلح, تلك اللغة التي جمعت بين الحروف الانجليزية واللاتينية والأرقام، وأصبحت هي لغة التواصل بين الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الخلوية، بل إن أحد أساتذة الجامعة ذكر أن أحد الطلاب أجاب عن الاختبار بلغة الشات!
ويظل الطفل والمراهق والشاب محاصراً بكل ما يضعف من الوصلات العصبية الخاصة باللغة العربية، فالمسلسلات الأجنبية التي يتجمع حولها المراهقون والشباب، أصبحت أيضا تدبلج بلهجات عامية، سواء سورية أو مصرية, فافتقد هذا الجيل الترجمة التي كانت تصاحب مثل هذا النوع من المسلسلات، والتي كانت تساهم في تقوية اللغة العربية والإنجليزية في نفس الوقت. وأما نجومُ الفن الذين أصبحوا هم قدوات لأبناء هذا الجيل، فإنهم يزينون حواراتهم بكلمات أجنبية من باب التفاخر، ويتبنون أيضا اللغة الشبابية أو "لغة الروشنة" كما أطلقوا عليها، والتي هي لغة مهجنة غريبة، بلا معنى في كثير من الأحيان, والتي انتشرت في الحديث اليومي للمراهقين والشباب، وساهم هذا التطور التكنولوجي في تكاثرها حتى باتت اللغة الأكثر شيوعاً بين هذه الفئات العمرية.
إن الأثر الإيجابي للتلفاز على النمو اللغوي مقترنٌ بشروط غالباً لا تتوافر في بيوتنا, فلا أحد في هذا العصر يستطيع أن ينكر أن تأثير وسائل الإعلام باختلاف أنواعها مقروءة ومسموعة ومرئية، هي الأكبر والأسرع والأوسع انتشاراً, وغالباً ما يكون تأثير وسائل الإعلام أكثر وضوحا على الأطفال والمراهقين، وخاصة التلفزيون، فالتلفزيون يعتبر النافذة الأولى للطفل على العالم العربي والأجنبي، والأكثر مشاهدة، حيث تزايد عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام التليفزيون يومياً, وهو أيضاً الأكثر تأثيراً، فتأثير التليفزيون على الأطفال منذ نموهم وحتى مرحلة البلوغ، هو تأثير نمائي.. حيث يؤثر على نموهم النفسي والعقلي والاجتماعي واللغوي. وتأثير التليفزيون على النمو اللغوي للطفل يفوق المدرسة، ليس فقط لعدد الساعات الطويلة التي يقضيها أمام هذا الشاشة السحرية، بل أيضا لأن التليفزيون يخاطب حاستي البصر والسمع، ويجمع بين الصوت والصورة، مما يسهل التقاط المعلومة وإدراكها وترسيخها، وتكرار الألفاظ المختلفة من خلال التليفزيون، مقترنة في الغالب بالصور الملونة والمشاهد والحركات والأصوات والطرق الأخرى الموحية والمؤثرة، مما يؤدي إلى تجسيدها وتعلقها في الذهن، وتثبت في الذاكرة أكثر من أية معلومة ترد في الكتاب.
وقد حذر الخبراء من أن يستمع الأطفال للقراءة من التلفاز بدلا من قراءة الكبار لهم من القصص وغيرها. وأوضحت دراسة أخرى شملت 1000 أسرة لديها أطفال صغار ويتم قراءة مواد لهم من الكبار، أنهم يعرفون عدد كلمات أكبر بنسبة ثمانية في المائة عن الأطفال الآخرين، في حين كانت حصيلة عدد الكلمات لدى الأطفال الذين يشاهدون التلفاز أقل بنسبة 20 في المائة.
الحصيلة اللغوية للأطفال الذين يشاهدون التلفاز قد تكون أقل من أولئك الذين يقوم أباؤهم بالقراءة لهم .
فإذا كان التليفزيون أمر واقع فهل يمكن عن طريقه زيادة المحصول اللغوي للطفل، بالتأكيد يمكن ولكن هذا يحدث بشرط وجود أحد الكبار مع الطفل يحاوره ويطلب منه ترديد بعض العبارات الواردة، والتي يجب أن تقدم بلغة سليمة تخلو من الأخطاء اللغوية، وتنبثق من بيئته، سواء أغاني أم أناشيد أم حوارات. ولكن للأسف الشديد فالإعلام يقدم في معظم ما يستهدف الأطفال لغةً ركيكةً وغير مدققة، وبعيدة عن بيئة الطفل، ومحملة بقيم غريبة على مجتمعاتنا، وفي ظل خروج المرأة للعمل أصبح التليفزيون هو الجليس الالكتروني، كما أطلق عليه البعض، يشاهده وهو جالس وحده، وهذا يؤدي إلى زيادة نسبة الـتأثير السلبي للتليفزيون على النمو اللغوي للطفل، ناهيك عن النمو العقلي ومنظومته القيمية.
وطالما أن الدراسات أثبتت أن علاقة التلفزيون بتعليم النطق ونمو اللغة عند الطفل تظهر في العمر ما بين ثلاث سنوات وأربع سنوات، فلا بد من مد جسر التعاون الحقيقي بين علماء نفس النمو، والإعلام، وحماة اللغة العربية، ليثمر هذا التعاون عن إنتاج إعلامي يستهدف الطفل، ويرتبط بلغته الأم ويثري من مفرداته، وفي نفس الوقت يكون ممتعاً وتعليمياً وجذاباً.
عبير الكلمات
- إبنتي! أُحبكِ بقدرِ نبضات قلبي الذي أحبكِ قبل أن يراكِ، وبقدرِ نسمات فجري، ونجومِ سماءِ ليلي، فأنتِ امتدادي، أرضي وسمائي.
- ابنتي! يابسمتي، ودمعتي، وربيعَ عُمري، وسندي في خريفِ حياتي!... أُحبكِ
