الملاحظ أن مجتمعاتنا تسيء استعمال اللفظ من منطلق سوء الفهم والوعي بمدلوله السليم، فصارت كلمة ” المساواة” تشهر في الوجوه متى أراد جنس الانتقام من جنس ثان رجلا كان أو امرأة، وصار لفظ ” المساواة” منفذا لإعلان الحرب بين الذكر والأنثى، بدل أن يوفق بين فكرتيهما ويعدل في حقيهما ويستخدم أفضل استخدام من أجل حياة مستقرة يسودها الود والوئام.
رجوعا إلى عبارة ” المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات” تجد شرعنا الإسلامي ( كتاب الله العزيز وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم) كانا سباقين للحديث عن المساواة وسنها، حيث هناك عدة آيات قرآنية تخاطب الرجل والمرأة على حد سواء، إما أمرا أو نهيا أو حتى عقابا، فنداء ” يا أيها المؤمنون ” الحاضر مثلا في أكثر من سورة قرآنية بالقرآن الكريم ينادى به على الجنسين معا بالتساوي، وكلمة ” الزانية والزاني” و ” السارق والسارقة” فيهما تسوية أيضا بين الجنسين عند الجزاء، وبالتالي فالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ليست وليدة العصر كي تخلق كل هذا الضجيج والثرثرة التي لا فائدة تجنى منها سوى تبادل الاتهامات وولوج دائرة الصراعات التي تقود في النهاية إلى الإهانة وأشكال العنف.
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز مكرسا لمبدأ المساواة بين الجنسين : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة النحل الآية (97). ويقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم : ” النساء شقائق الرجال”، وقد أشار العديد من العلماء في تفسيرهم للحديث بأنهما شقيقان في الأحكام، إذ ما ينطلي من حكم على الرجل يشمل المرأة أيضا دون تمييز وانحياز، وهذا لا يعني أن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة البتة أو لم يميز بينها وبين الرجل، بالعكس، لقد زاد شرعنا الإسلامي الرجل درجة على المرأة وهو يوكل إليه مسؤولية الإنفاق ويوليه دور القوامة، في الوقت الذي لم يلزم المرأة بهذه المهمة اعتبارا لتركيبتها الجسمانية المختلفة عن الرجل والتي تتميز باللين والرقة والنعومة عوض القوة والشدة والخشونة .
لقد حسم الشرع الإسلامي في موضوع المساواة بين الرجل والمرأة منذ زمان، وأيما مناداة بالتساوي اليوم إنما هي نتيجة عكسية لتحقيق مفهوم المساواة الأصلي الذي لم يستعمل استعمالا حسنا وصحيحا يليق بالتعايش السلمي الإنساني المبني على أواصر المحبة والتقدير والاحترام المتبادل.
لعل وجود المرأة والرجل جنبا إلى جنب في هذه الحياة كان الغرض منه أن يسود بينهما الود والتراحم والمساكنة، وليس شن حروب ضروس بينهما، فيرى كل منهما في الآخر عدوا لذوذا ينتظر أول فرصة للانقضاض عليه وافتراسه دون رحمة. لم يخلقا ليدوس الطرف منهما الطرف الآخر بالأقدام بل ليحققا التكامل وينشدا التعايش ويسدا احتياجات بعضهما البعض في رضى ومحبة وثقة وانصهار.
لن نفهم الكون والطرق المؤدية به إلى طوق النجاة مثلما أخبرنا رب الكون، فهو جل وعلا أعلى وأعلم بأسراره، وحينما أمرنا بأشياء ونهانا عن أشياء ورتب لنا كل الأشياء لنمشي على خطاها وننجو من جحيم الدنيا والآخرة لم يكن ذلك عبثا، بل تيسيرا لحياة أفضل وتسهيلا لعبور أنفع بدار الفناء. فعن أي مساواة نبحث بعد الذي سطره الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ؟