لا نحب مرارة الأشياء
ولكنها قد تحمل الشفاء
لا نحب ملوحة الدموع
ولكنها تُطهر الروح...
ولكننا حين تنتابنا التعاسة، تتكسر تلك الأجنحة فنقع من علوٍ ساحق، وتنكمش الزعانف فنغرق في بركة الماء الضحلة، ثم نضطر للجلوس على الصخور الخشنة عوضاً عن التمدد على الغيوم الوثيرة.
لا يمكن للسعادة أن تعلم الحكمة لأنها تجعل الانسان يعيش في رفاهية الشعور والجسد والماديات، لذلك يختار الحكماء وأهل التصوف الابتعاد عن الترف والزهد في الحياة.
ولكن هذا لا يعني أن يرغب الإنسان بالتعاسة ليفهم معاني الحكمة في الحياة، ولكن يعني ألا يتذمر حين تأتي التعاسة، ويدرك أنها باب من أبواب الحكمة والمعرفة غير السطحية للحياة. فالله تعالى لابد أن يكشف لكلٍ منا المخادع والكاذب والمنافق وهذه الكشف له ثمن وهو هذا الشعور بالتعاسة والصدمة، الله تعالى يريد أن نتعلق به فقط وتكون قلوبنا مع الذات الإلهية كي نتحرر من عبودية البشر والأشياء، لذلك يموت الأحباب ويمرضون، يبتعدون ويهاجرون وإن لم يبتعدوا تحل البرودة والجفاء على العلاقات مهما طالت، فاليوم أحباب وغداً ربما نكون أعداء، اليوم نحن معاً وغدا نبتعد أو نسافر وربما نموت.
من المؤسف أن نتوقف في كل محطات حياتنا انتظارا لقطار السعادة، وندير ظهورنا حين تحضر حافلة التعاسة التي تحمل حقيقة الأشياء، التي تجعلك تفهم نفسك وتكتشف من حولك، التي تُزيح الستارة عن عيونك التي تم التشويش عليها، التي تجعلك ترفع يديك لله تعالى في أعماق الدجى طالباً للمغفرة والنجاة، والتي تجعلك أشد قرباً لله وللفقراء ولكل من يشعرون بالمعاناة.
في أحيان كثيرة تكون المعاناة نعمة عظيمة تحمل في طياتها المعاني الحقيقية للحياة، فلا يمكن لشخص مر بمعاناة صعبة إلا أن تتغير حياته بصورة شبة كاملة، فلنعطي للمعاناة ما تستحق من الاحترام ولنقبل بقضاء الله بالرضى حباً بالله وبتدبيره لنا، ومثلما نستقبل السعادة بالترحاب فلنحسن استقبال المعاناة. هناك من يرضى بقضاء الله لأنه لا خيار له سوى هذا الرضى، وهناك من يرضى حباً بالله، ولكن القلة من يرضى خجلاً من الله حتى أنه يعتبر الحزن والتعاسة شكل من أشكال الاعتراض، فتتساوى لديه التعاسة السعادة لأنه في ملكوت الله لا وجود لهما، في ملكوت الله لا قلب يحزن لدنيا ولا روح تتوق لشهوة ولا قلب يأسى على ما فات ولا يفرح لما يأتي.
