أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الجسد و الصورة ثنائية الاستهلاك و الاستنساخ في الفيديو كليب العربي

الجسد، يا لا هذه الكينونة التي أرقت الفكر منذ القدم حتى اليوم، و لئن اتخذت بعد الخطاب الفلسفي و الشعري و النفسي في زمن ما، فإنها اليوم وفي ظل العولمة والتكنولوجيا بوبت نفسها في حضارة الصورة بما هي تمثل ارتسامية عصر ما بعد الحداثة، لتنشأ بذلك هذه العلاقة الثنائية بينهما، التي أفرزت بابا جديدا من أبواب الثقافة السلعية في الفيديو كليب العربي.

فهذه الأغاني المصورة التي أصبحنا نعيش على وقعها، مؤثثة بمحددات سينوغرافية و موسيقية و مكانية و زمانية مع حضور رموز و علامات لا تدل إلا على إلا على ثقافة ضجيج الجسد، هذا الجسد الذي قدمته الصورة في غاية من الجمالية الفنية بلقطات و مشاهد لا تخلو من مخاطبة حسية للمتلقي.

مخاطبة قوامها هذا الجسد الجميل و الأنيق و الرامز لمختلف مظاهر الرفاهية و الجالب للانتباه بحركاته و إيماءاته و ألوانه المروجة للطابع الاغرائي له المبلور داخل الصورة المحبطة لوسائل الإدراك عبر لقطاتها السريعة سرعة البرق و المروجة لموضة معينة من اللباس و لون الشعر والإكسسوار .. ليكون الاستهلاك اللاواعي لهذه السلعة الاشهارية المبوبة في نطاق سلعية هذا الجسد، لأجساد كروبي و نانسي وباسمة وهيفاء و عارضات التنورة في أغنية التنورة لفارس كرم، فمن خلال تحليلنا لهذه الفيديو كليبات بلغت عدد اللقطات 588 لقطة في هذه الأعمال الفنية مقابل 14 مشهد، و هذا ما يؤكد مرحلة صعود اللامعنى في هذا العصر المابعد-حداثي، التي لا تعكسه إلا فجاجة الكلمات و الإيقاع السريع الذي يجعلنا ننفتح على نمط من الموسيقى الدخيلة على ثقافتنا العربية و المجسدة لصورة أجساد غربية ناطقة باللغة العربية، لتجسد مظاهر العدمية الموسيقية البعيدة كل البعد عن الأصالة، و ذلك في إطار العولمة القائمة على إعادة صياغة العالم فجعلته عالما واحدا و ثقافة واحدة قائمة على الإتباع عوض الإبداع لتكون مرحلة الاغتيال بواسطة التكنولوجيا.

و لعل علاقة الصورة بالجسد في الفيديو كليب العربي كرست مبدأ الاستهلاك بطريقة ذكية من خلال تغييب الوعي بإيديولوجية بيع الحلم التي لم تفرز إلا استنساخ للهجين و البعد عن الأصيل.

بعد جسدته تناقض لمرحلتين مرحلة الحداثة و مرحلة ما بعد الحداثة، و لئن كانت المرحلة الأولى قد اتسمت بالعقلانية و مبدأ التقدم فان المرحلة الثانية اتسمت بالعدمية و موت الواقع حسب تشبيه الفيلسوف الفرنسي "بودريار"، مرحلة اتفقت في عدميتها مع لغة التكنولوجيا و العولمة المبوبة في نطاق الصورة.و قبل التطرق إلى هذه العلاقة يجب الوقوف على رهانات المرحلتين.

أ/ مرحلة الحداثة:

إن مرحلة الحداثة مرحلة تأسست على مبدأ العقلانية و التقدم، ونعني بالعقلانية هو تمكن الإنسان الحديث من بلورة صورته في مرآة هذا العالم،لتغدو ذاته ذاتا مستقلة يستمد منها كيانه بعيدا عن الطبيعة والسلطة والعقيدة،فلم تعد هناك سلطة غير سلطة ذاته العاقلة المفكرة، و من هنا انبثقت مركزية و سيادته في الكون خاصة مع الكوجيتو الديكارتي ،حيث تمكن من معرفة أسرار الكون و الحياة و الموجودات وفق قواعد حسابية رياضية صارمة مقابل نبذ ألغاز الميتافيزيقا القديمة.

اما فيما يخص مبدأ التقدم فيتمثل في أن اتجاه الحياة و الزمن يسير دائما نحو الأفضل بصفة مستمرة وفق تطور التاريخ من الأدنى إلى الأعلى حسب التفكير الهيغلي.

غير النقد الذي وجه لهذه المرحلة قوّض النزعات العقلانية و الإنسانية التي نادت بها في كل المجالات الاجتماعية الحياتية -من فلسفة و أخلاق و سياسة و دين وصولا إلى الفن- جعلها تتجرد من هذه القيم لترتطم بجدار العدمية التي يعرفها نيتشه كما يلي:"إنها تعني أن القيم رفيعة المقام قد فقدت قيمتها" و هذا بدوره ما أفضى إلى مجاوزة عدمية الحداثة بخلق قيم جديدة بمعنى خلق ثقافة جديدة ألا وهي ثقافة ما بعد الحداثة.

ب/ ما بعد الحداثة:

لا تمثل ما بعد الحداثة إلا ردة فعل على عقلانية الحداثة التي ساهمت في قمع الغرائز و الأحلام و الجسد و الأوهام لتكون ضد الحياة، باعتبار ان العقل عقلنها وفق قوانين و ضوابط محددة ما أنتج ثقافة جديدة لتترجمها الصورة بامتياز في وسائل الإعلام و التقنية والأسواق،و الحاملة لمختلف مظاهر التشظي و التشتت لمجتمع تمحورت تسمياته حول مجتمع " الإعلام المعمم" و المجتمع "المابعدصناعي" و المجتمع "الاستهلاكي" تسميات لا تدل إلا على صدام الحضارات بين المرحلتين.

صدام تجسد في تعويض التحرر و اللامعقول المعقول و المناداة بخلق أنماط سلوكية وفكرية جديدة ضد النظام و التناغم و التناظر قائمة على "تفتت و تفكك المرجعيات و المنابع المنتجة للدلالة"

هذه الدلالة التي استبدلتها التقنية بالصورة و الرمز والعلامة كشكل جديد من صناعة الثقافة المبلورة في عالم من الرأسمالية و التكنولوجيا و النزعة الاستهلاكية،التي اصطبغ بها الفن، فجسد مظاهر العدمية، و لعل ارتباط هذه المرحلة باللغة التقنية و العولمة افرزت احدية ثقافية حيث أن " ما يسمى بالخصوصية الثقافية لم يعد في ظل العولمة و الشمولية، فضاء مستقلا بذاته بقدر ما أصبح جزءا من سوق عالمي يتحكم فيه منطق راس المال، وتتكرس في عمقه الأحادية الثقافية."

أحادية جسدتها الصورة في الفيديو كليب العربي في غاية من الإيقاعية الموظفة داخل حقبة اقتصاد جلب الانتباه و المستنطقة لمنطقة اللاوعي و ذلك عبر ما تبثه من جمالية بصرية حسية وظفت من خلال السينوغرافيا و الشخصيات و الإطار الزمكاني و الألوان و التي لا تحضر إلا لتبرز الجسد.

و لعل مادية الصورة و الجسد اتفقت و مادوية هذه المرحلة التي يعتبر السلوك الاستهلاكي فيها كقيمة مميزة للمجتمع.
السؤال الذي يحضر هنا: ما هي علاقة فترة الحداثة و ما بعد الحداثة بثقافتنا العربية ان كانتا المرحلتان مرتبطتان بالثقافة الغربية؟

ان الثقافة تمثل مجموعة السمات الخصوصية الفكرية والدينية و الشعورية الخاصة بمجتمعات معينة، ولئن كانت الحداثة وما بعدها جذورها غربية فان مجتمعاتنا العربية مرت بالفترتين، و سنبين هذا في إطار اهتمامنا بالموسيقى العربية، فلقد كانت الموسيقى تتسم بالطربية أي الموسيقى التي يتوفر فيها من الالتزام و الذوق والكلمة و اللحن ما جعلها تخلذ في الذاكرة كموسيقى عبد الوهاب و فيروز..

اما اليوم و في ظل هذا العصر التكنولوجي الاستهلاكي أصبحت الموسيقى مشهدية، لتكون الصورة أهم من الكلمة و اللحن، و الجسد هو البطل الرئيسي المتحرك في فضاء الإيقاع و الألوان و المؤثثات السينوغرافية بلقطات خاطفة سريعة مغيبة للإدراك.

هذا ما وجدناه في كليب "يا سلام لنانسي" و "يا ابن الحلال" لهيفاء وهبي، و "التنورة" لفارس كرم و "حلم الطيور" لباسمة و "يا لرموش" لروبي. موسيقى لغتها الجسد الراقص، و الثابت، وبين الحركة والثبات لا تحضر إلا الكاميرا مع الإضاءة الخافتة فالساطعة فالقوية البارزة للمناطق المخفية و المرئية من الجسد، هذا الجسد الذي وضع نفسه محل الاستنساخ لأجساد "العارضات الأوروبيات" في التنورة و "برتني سبيريز" في حلم الطيور و "مارلين مونرو" في "يا سلام" و حركات "مادونا" في يا "ابن الحلال"، ربما أصبحنا نعيش لغة انصهار الأجساد من خلال التقنية التي جعلت كل الأجساد متشابهة عبر مفهوم العولمة أو بالأحرى عولمة العالم و هنا تحديدا عولمة الثقافة.

ثقافة الإغراء و الإغواء، ثقافة الموضة و الجنس التي نقلها الجسد في هذه الأغاني المصورة من خلال اللباس والماكياج و الكلمات المشحونة حسا ك"شوفه ترد الشايب شاب" (التنورة)، "يا ابن الحلال شوقي مليني"( يا ابن الحلال)، "غيرشفايف ورديه"( يالرموش).. إضافة إلى حركاته المملوءة إيماءات كالضغط على الشفتين و الغمز و الرقص..لتشترك كلها في عدمية الأغنية المصورة في نطاق إيديولوجية الاختراق الاستهلاكي عبر تغييب الوعي من خلال اللقطات السريعة التي تفتح المجال أمام انصهار الخيال أو الحلم في هذه الأجساد ليكون الاستهلاك اللاواعي.

إن بين الاستهلاك و الاستنساخ في الفيديو كليب العربي تحضر عوامل عديدة تاريخية و تقنية جعلت من الصورة في زمن التكنولوجيا تخترق العقول لتبث لغة الحلم عبر الجسد، و لكننا نتساءل هل هذه اللغة الصادرة من الصورة تعتبر تجاوزا للقلق الإنساني حيث أن اكبر مشكلة للإنسان اليوم هي ذاته؟.
تعليقات