العربي في بلاد المهجر ولاتعميم وأشدد على عبارة ولاتعميم، أصبح أكثر العروق خجلا بهويته، بلغته وأصله، فهو يُدين نفسه لأنه عربي قبل أن يتهمه أي شخص. فبمجرد أن يحط الرحال في بلد جديد لا يهتم فيها أحد بغيره، ولا من أين أتى، ولا ماذا يتكلم أو بماذا يؤمن...حتى يبدأ العربي الدفاع عن نفسه... وخير دفاع عنده يكون بإنكار الذات، فمن كان إسمه عبد الله يصبح " أليكس" ومن كان شادي يصبح " شون" ومازن يتحول إلى "مايكي" وزبيدة بنت صبحي تصبح " سوزي". تنتفي عنا الأسماء التي قد تدل على مسقط رأسنا، نطمر رأسنا في التراب كأن العيب أن نكون من بلاد العرب... يصبح إسمنا الذي ولدنا لنتسمى به مجرد ذكرى تماما مثل هويتنا.
وعندما يتكلم العربي ويبدأ بالكلام بلغة غربية مكسورة، وعندما يُواجَه بأصعب سؤال، السؤال الذي يخشاه: ماهي لغتك الأصلية؟ يقول بصوت متردد، أنه يتكلم اللغة كذا....ويذكر إسم بلده الأصل، فنجده بذلك يخترع لغات جديدة، طالما أنها تساعده على تلافي ذكر كلمة الإدانة "لغتي هي العربية". فأصبحنا نتهم أنفسنا قبل أن نكون متهمين، نحيك قفص الإتهام ونجلس فيه دون أن يُطلب منا ذلك، ودون أن يكون هناك أي إتهام، وبدل أن نهتم بما نحن عليه، أصبحنا ننفي ما لسنا عليه، وندافع عن تهم دون أن يذكرها أحد... فأصبح كلامنا دفاعا وليس فخرا، وقد إزدادت هذه المعظلة بالتفاقم خاصة في السنوات الأخيرة، مع إزدياد حجم الوجود الإسلامي في الغرب، وإتساع نطاق التطرف الإسلامي في أوساط الجالية العربية التي وضعتها أحداث 11 سبتمبر تحت الضوء وفي دائرة الإتهام المسبق، حيث أصبح العربي والمسلم في الفكر الغربي عبارة عن إرهابي، متسلط ، مجرم وحقود. على الرغم من أن معظم المهاجرين هم من النخبة والكثيرمنهم أطباء ومهندسين وباحثين، والغرب بنفسه يشهد لهم بالخبرة والكفاءة في مجال تخصصاتهم العلمية.
إذا فالهروب مما نحن عليه بحجب كلمة "عرب" أو الخجل منها، ليس سوى تعزيزا وتأكيدا لنظرة الغرب الخاطئة عن العرب، كما يعدّ أيضا إنتصار لما يحاول القيام به بعض الإعلام الغربي. وما نقوم به هو أكثر مما كان يحلم به ذلك الإعلام... فهو إخترع الكذبة ونحن صدقناها، ونحاول أن نخفي أنفسنا كالمجرم المدان والهارب، هو أراد أن يتهمنا في عيون العالم، فكانت عيوننا أول من صادقت على الإتهام. فالتهمة أصبحت موجودة برؤوسنا وقلوبنا، فأصبحنا ندور حول أنفسنا لكي نقنع أنفسنا ببرائتنا.
