رواية "ذاكرة غانياتي الحزينات" لغابرييل غارثيا ماركيز، أسرتني على الفور، ليس غريبا على الأديب الكولومبي هذا السمو في تصوير النفس الإنسانية، وإن كان هنا أبسط وألصق فيما سرده.
بين الشيخوخة/ الموت، والصبا/ الحياة خيط واهن جدا.. لكن أن يستفيق أحدنا في ميلاده التسعين ليكتشف نضوبه من الحب، لا يعني هذا علاقات متتابعة استولت على الجسد، ورفست الروح، لأنه كان فارسا فيها! لكن الحب.. الأمل.؟! ماذا عندما يستدرك أحدنا أنه في التسعين على شفا حفرة من الهاوية، أو الهاوية نفسها، وفجأة يشتهي الحب؟! يشتهيه مغلفا بالسولوفان، عذراء صغيرة لم يقتحم مجاهلها متلذذ، ولا محارب.. عذراء شقية بالعمل في المصنع في تركيب مئتي زر يوميا.. ليس عملا سهلا، ولكنه بلا طموح، أو كرامة سوى إطعام أفواه الإخوة الجائعة، وتمريض أم في أسوأ حالاتها.. عمل يدفعها لاستقبال الراغب بها في البيت السري بطقوس تليق بالمكان، لكن جسد الفتاة نائم، قربان ليس إلا.. يحرك أعماق الراغب العجوز لا بالشهوة، بل باكتشاف أنه لم يحب من قبل..
صحفي هو.. مقالاته اعتيادية، لكن طعم الحب المراقب وهبها الشباب الذي طوته تسعينه.. وما أن اشتعل قلبه بالحب حتى اشتعل بالغيرة وتمزق بالتهيؤات والتخيلات.. ماذا لو أن الفتاة "العاهرة" كما وسمها في قمة سخطه، قد وهبت نفسها لغيره، مع غيرهم.. ماذا.. وماذا.. تعنّت، رفض، استنكار، ولكنه رغم ذلك احتفظ بإحاطة سرير الفتاة وغرفتها بما يليق بها من الحظوة التي استشعرها نحوها، نحو حرمانه، واشتياقه..
ماركيز كتب بمنتهى الدفء حقا، لكنه غير مريح، دفء شاخت فيه الموجودات، والكائنات، حتى القط الذي أهديه في عيد ميلاده التسعين اختير ليكون رديفه في الشيخوخة.. وتعود في نفسه الحياة، حب الموسيقى، الحنين، وغيره من مفردات تجمدت فيه، وحوله.. لم يكتم اعترافه بخذلان حيوانه، لكن قلبه أعلن أن الحنان أقوى من الرغبة!
ليس من حضور للنهاية المأساوية المنتظرة لمن في مثل سنه، بل إن العالم استعاد ألوانه وإزهاره.. حب لم يحمل رائحة الفضيحة، بل عبق بجوهر الإنسان حين يكشط عنه الزيف.
من سطور الرواية:
"تجارة مثل تلك، لرجل في عمري، كل ساعة تساوي سنة"
"إني منذ طفولتي المبكرة نميّتُ إحساسي بالخجل الاجتماعي الذي هو الموت"
" " إنّ أول أعراض الشيخوخة أن الواحد منا يبدو شبيها لأبيه
"نحن شخنا بالفعل، لكن الواحد لا يشعر بالشيخوخة من الداخل، لكن من الخارج كل العالم يراها"
"المراهقون من جيلي تحت وطأة شراهتهم بالحياة نسوا الحلم بالمستقبل إلى أن علمهم الواقع أن المستقبل لم يكن كما حلموا به فاكتشفوا الحنين"
