تعيد ترتيب جهاز المنزل الجديد و تسجّل ما ينقصها , هكذا تقضي طول يومها.. كم تمنّت لو أحضرت في جهازها غسّالة و طاقم القهوة الّذي لم يغادر بالها منذ ذلك اليوم في المحل , لكن ماهر أخبرها أنّ السعادة في أن تملأ البيت بوجهها السّمح و أنّ ابتسامتها أروع من طاقم كريستال
هناك في منطقة الشّعانبي تملأ الألغام المكان , كان ماهر يؤّدّي دوريّته و كان بدوره يفكّر في قسط أجار قاعة الافراح و لكنّه وعد سامية و لن يتوارى عن ليلة تاريخيّة لها أسوة بجارتها سعيدة ..
- " سامية , تعالي معنا ..لماذا تجلسين وحدك ؟"
- " انتظر مكالمة من ماهر يامّا , سألحقكم بعد قليل لنجهّز معا المائدة "
- " لا يا بنيتي مش مليح الدنيا مغارب وانت وحدك في البيت .. وبنت خالك جاية من تونس تو تقلّك وطّت فيا العين"
- " حسنا أنا قادمة .."
و ماهر تعرّفت عليه كما تعرّفت على كلّ هؤلاء , في ليلة صيفيّة في المنتزه البلدي .. كان ببدلته العسكريّة تلك على أهبة الاستعداد لبدأ مناوبته إلى أن رأها تمشي متبخترة , ترمقه النّظرة تلو الاخرى فأجّل سفره سويعات ليجمّع ما يتسنّى من ملامحها , ملامح تؤنس وحشة ليله في تلك المنطقة الحدوديّة.
لم ترد سامية من الحياة سوى هذا الزّواج و بتأجيله أصبحت متمسّكة به أكثر , لا حديث عن سواه و لا حدث إلّا مؤجّل لما بعده "هل تعرفين ماهي السّعادة يا صبيّة؟ ان أتزوّج و أغادر المنزل " قبل سنتين كانت السّعادة فستان تقابل به ماهر!!
قضّينا أفضل اسبوع في حياتها كما تقول . كنت صغيرة و لكنّي أذكر أن أبي كان غاضبا و يصرخ في الهاتف "يذبحها ؟ علاش الدّنيا مسيّبة , معندهاش أهل ولا مّالي , انا خالها .. نجي نهزّها تو .. طفلة صغيرة , شوفو أندادها كيفاش عايشين.. »
علمت فيما بعد أنّ سامية رقصت في إحدى الأعراس و و علم أحد إخوتها فهدّد بقتلها ضربا لولا اتّصال عمّتي. بقيت في بيتنا أسبوع , كان أكثر من رائع , فسح و مشاوير بحر , لسامية روح خفيفة و طاقة تجعل كلّ المنزل بهجة و سرور , ليلة مغادرتها أبكت الجميع .
و منذ وقتها لم تنقطع اتصالاتنا و أخبارنا و أصبحنا مقرّبتين , كأخت لم تملكها كلّ واحدة منّا أو أكثر .. و زاد القرب بعد وفاة أبي فقد كان أبا لكلينا . قدمت سامية تدرس علوم تكنولوجيا المعلومات في العاصمة , اختصاصا يبدو غريبا لفتاة قرويّة لم تستعمل حاسوبا طيلة حياتها و لكن لم تكن لتختار شيئا آخر , لن يناسب سامية المغامرة إلّا شيء يكسرغموض العاصمة و فضولها لمعرفة و تجربة كلّ شيء . أمّا ماهر فبقي ذلك الجانب القاتم في اختياراتها لسبب لم يقنع سواها , أو لم يقتنع به سواي.
- "لا داعي لذلك منزلنا مفتوح لك يا سامية و أمي تحبك"
- " لا انت لن تفهمي , هذا عربون محبّة و دليل ارتباط أبدي"
- " لا أدري يا سامية , سيذكرك مرارا و تكرارا أنه أنفق على تعليمك و أنّك مهما كنت ناجحة فالفضل يعود له و سيتحكّم فيما تبقّى من حياتك .. أهذا ما ترغبين به ؟"
ذاك القميص الرّمادي ؟
- " يا حسرة" سيجلب لي جوالا محمولا و سيشتري لي حاسوبا أيضا و الخطوبة في هذه الصّيفيّة.
- أنا أحتاج لرجل مثله و "محسوب" المشاكل حتّى بين أكثر الازواج مستوى تعليميّا
- "أنت حرّة , المسألة في صالحي أوّلا على الاقلّ سأسترجع حاسوبي" علّقت مازحة و لكن لم يكن بيدي سوى أن أتركها تختار بحرّية , فمعرفتي بسامية تجعلني أجزم أنّ لا أحدا مارس حرّيته بقدرها , بالنّظر لحياتها تعلّمت أنّ الحريّة لا تقاس بكميّة الممكن من حولنا بل بمدى قدرتنا على تحدّي الحواجز و تجربة الممنوع أو ما منع عنها , فماهو متاح هنا مستعصي في تلك القرية.
كانت مرّات عديدة تعود بعد لقائه بكدمات و جروح على جسدها , أسألها فلا تجيب , أعلم أن اخوتها ليسوا السّبب و أنّه ماهر و لكنها لا تعترف , فقط لو اعترفت لأنقذتها منه , للقّنته درسا و أعلمته أنّها ليست لوحدها في مواجهته و أنّه بذلك الخاتم و بما ينقفه عليها لم يشتريها و لن تصبح عبدة له.. اخوتها يرون أن من حق الخطيب على خطيبته الطّاعة , و سامية ترى أنّ للعلم و للأحلام ثمن و أنّ لولا ماهر لكانت كبقيّة بنات القرية في المنزل لا شغل لها سوى خدمة اخوتها و أبيها
لديك فرصة عمل لا تعوّض و تركتها لأجل عيون ماهر.. لن يقبل هذه الفرصة ولا أيّة فرصة اخرى و أنت تدركين ذلك جيّدا , فما الّذي يبقيك , أين ذلك التمرّد فيك ؟ هل فعلا السّعادة في طقم قهوة و غسّالة .. حينما كانت السّعادة في ذلك الفستان كانت تحدّيا لمن منعك من الجمال, من تحرير جسدك و الحركة بسلاسة و خفّة .
حاولت قدر المستطاع أن أكون سعيدة لسامية و أن أدعمها و أقف جانبها الآن و غدا و أوّل الحاضرين في زفافها و كان لها ذلك.
رنّ هاتف سامية أخيرا, رمقتها بنظرة ماكرة , فذهبت راكضة إلى الغرفة و أحكمت إغلاق الباب , لم تمض دقيقة حتّى خرجت تلطم و تصيح " ماهر , ماهر لقوه مقتول و مرمي هوّ و العساكر في الجبل .. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا ربّي"
