تصدمني المقولة بأنني أعيش الحلم.. أتساءل لماذا صدمت أو لماذا أعيش الصدمة؟ هل هو من الخوف؟ الخوف من أن أضيع مرة أخرى في متاهات الحلم وألبسه فيصبح كيانا واحدا، الخوف من أنني أتمسك بكل ما هو جميل وخال من الألم والوحدة والإحساس بأن مطرقة الواقع تدق باب نومي كل لحظة.
أحيانا يصعب الفصل في هذه المسألة وذلك عندما ينصهر كل من الحلم والواقع في لحظة واحدة في زمن واحد، فيصعب التمييز بينهما عندما يتقبل كل واحد منهما الآخر ويعيش كل واحد منهما على وقع حضور الآخر فيه.
و لكن إلى أيّ مدى يتماهى الحلم مع الواقع و يتخذ كلاهما علاقة وطيدة بالآخر وتجعل بينهما مسار الحياة متكاملا محققا لاكتمال الاعمال ... و يجعلان من النهايات بدايات أخرى حتى في حلقة الصراع بينهما؟ لقد سجّل التاريخ أن أروع الاعمال و أجمل الكتابات كان يقودها الحلم لتصبح فيما بعد واقعا ملموسا.
و من الأعمال التي قادها الحلم إلى أن سجلت حضورها واقعا إصدار قصصيّ لزميلتنا الصحفيّة و الكاتبة التونسيّة الثريا رمضان معنون بـ " غدا يشرق النيروز"... تبدأ كاتبتنا تقديم روايتها بلفظ "نولد ملائكة...... " و تنهي جملتها بـ "نحن من نحن؟" فهل نحن نبقى على شاكلة الملائكة التي تعني بها كاتبتنا الطفولة إلى أن يتحقق جزء من النحن أو النحن واقعا؟ تجيبنا الثريا رمضان في روايتها على سؤالنا بأربعة أجزاء من الحلم مرت بها بطلة الرواية " إشراق"... فوجدناها تلك الطفلة الممزوجة بالبراءة و الحب و اللعب و الفرح... و كأي طفلة كانت تزورها تلك الأحلام الورديّة متمنيّة أن تكبر و تسجل بصْمتها في الواقع ككائن و كيان و تنحت ذاتها كما تريد هي. و ككل الاطفال أيضا بل ككل الأمنيات التي تزور مخيلّة الطفولة و تتمنّى أن تكبر سريعا .في حوارها مع جنيّة تتحقق كل الأمنيات فكان الحوار بينهما... فتقول الجنيّة لإشراق "ما الحلم إن لم تكبري كل يوما قليلا" فتجيب إشراق بطفولتها و عنادها "دعيني أكبر سريعا"...لتكون هنا أول خطوة يبدأ بها حلمها لتتراءى لها صورتها الشابة فالحلم انطلق أولا بتغيير الشكل فمع تقدمه يتغير شكلنا...و لكن هل نرضى بصورتنا و نقتنع بها حتى في أحلامنا؟ فإشراق أرادت أن يكون لون بشرتها سمراء لكن الجنية تركتها كما هي بيضاء و لم تستطع أن تحقق جميع أمنياتها بداية من الشكل... في الحلم يبدأ الصراع فالحلم لا نعرف مداه ...لا نعرف أين سيتوقف ؟ لا نعرف طوله بلغة اخرى... بل في لحظته يجعلنا كأننا نعيش امتحانا مع الحياة بل نعيش واقع الحياة بصيغة الحلم.. فالحلم بدأ من الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مفاهيم أكبر و أشمل، هي مفاهيم الصداقة و المواعيد و عالم مختلط من الناس "حين اتخذت لها مكانا على الكرسي، حاولت إشراق أن تفهم أنواع المشروبات، فلم تجد لها تفسيرا سوى شيء ما مع الحليب فتركت فيروز تختار، فإذا هي قهوة مُرّة لم تجرؤ على المجادلة فيها." و رغم أن إشراق في هذه الحياة انطلقت من حلمها إلا أنها لم تستطع أن تغادر طفولتها ولم تستطع أن تغادر عالم أصدقاء الأطفال من علاء الدين و حكايات جدتها فكل شيء حولها مترجم في مخيلتها.. "وإذا بشاب بروعة الحلم الذي تعيشه يدخل ليبادلها ابتسامة بلون الزهر. ظنت أنه علاء الدين جاء على فرسه البيضاء كما في حكايا جدتها كل ليلة، وشردت في نظرات العيون المختفية تحت النظارات حتى قطع المشهد صراخ الملك المغوار: "ما عدت تفهمين في لعبة الحب يا سيدتي." صراخ أدّى بها إلى قطع مع المخيّلة. صراخ .... كان إيحاءا لتناثر جملة من القيم ... كان رمزا لتداخل مناطق مختلفة لعملة المصلحة، لعملة تناقض منطق لفظ الانسانيّة فيمتزج منطق اللعبة بقيمة الحب... تمتزج الأسئلة بالأجوبة و الحلم بحلم ينقل تفاصيل ما نعيشه واقعا. "هل الحب صار لعبة؟ أم اللعبة أنت من صنعها ذات غباء مني؟ كم من العمر سيمضي وأنا أتفرّج على المسلسل التركي الذي تلعب دور البطولة فيه؟"... كلمة و حوار يفتح و يجعل من هذه الكلمة لإشراق مفتاحا آخر لتعيش حلما جديدا تفتح أمامه بابا للتعرف على آدم في الحلم، و لكنه لم يتحقق فيه كل شيء إلا على مراحل، فهي لم تعرف حتى اسمه إلاّ في جزء ثان من الحلم... و كأن الحلم لا نحقق فيه كل الأشياء، فحتّى الانتظار يلاحقنا ليرسم القدر إطلالته في حياتنا الكليّة...الأبديّة حسب قول كاتبتنا... تبدأ الرحلة، يبدأ التعارف و في كل يوم تكبر إشراق واقعا فتصبح تلك الشابة الناجحة والمتفوّقة ولكنها ما تزال متمسكّة بحلمها الذي مكنها من التعرف على الشخص الذي اختارته حلما و " حلمت مع دخانه" و رغم ذلك الدخان إلا أنها ما تزال تعيش على وقعه ووعده... حتّى الجنيّة لم تستطع أن تحقق حلم اللقاء بين آدم و إشراق بل اختفت تدريجيا من حياة إشراق إلى الابد، وكأننا كلما كبرنا و تقدمنا في العمر إلا و فقدنا كما هائلا من احلامنا... كما هائلا من تحقيقها... و تركنا للأقدار مجالا لتشق طريق حياتنا كما تشتهي فلا أحلامنا ملكنا و لا تحقيقها ملكنا ايضا... ولكن هل سيتحقق حلم إشراق في تحقيق ما تبقى من حلم ليشرق اسم نيروز في سماء واقعها...
