أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

تختفي الحكاية وراء مزيجا من الصور، صور نمرّ بها و نتوقف عندها برهة من الزمن، في تنقلاتنا المكثفة السريعة البطيئة المقلدّة لصيرورة عقارب الساعة في دورانها و توقفها و سرعتها و بطئها، نتقل معها عبر المترو أو الحافلة أو بترجلنا و المرور أمامها دون التفطن إلى ما ترمز خفاياها رغم تعوّدنا رؤيتها يوميّا.

كثرت في تونس العاصمة ظاهرة بيع السجائر في الشوارع، و الظاهرة ليست غريبة فالمجتمع التونسي تعوّد على تنفس التبغ في كل الأمكنة المفتوحة و الضيقة و المظلمة و المضيئة، فلقد تعوّد استنشاق كمّا هائلا منه في مختلف مراحل حياته.

لكن بعد الثورة اكتشفنا ما كان يختفي في مجتمعنا في عمليّة تعريّة لصور خفيّة قمعت بل تمّ إسكاتها بالخنق و العصا و الترهيب، تعريّة جعلت التونسي يكتشف الآخر الذي تمّ إخراسه لفترات طويلة...فترات جعلت من مجتمعنا مجتمع توأمي بامتياز يتشابه في المظهر و الشكل و الفكر ليس هنالك وجود ما يسمّى بالاختلاف و ربمّا هذا مخطط من المخططات إما التاسعة أو العاشرة أو... و هذا نتج عنه موت الشعور بالانتماء و الشعور بالإبداع و الشعور بالوجود...

شعور متناقض تملكنا بعد الثورة أسئلة كثيرة، و ربما أهم سؤال هل هذا كان موجود في مجتمعنا؟؟؟

و من الصور التي أربكت المارّة، كما أربكتني بل جعلتني أتساءل ألف سؤال، ماذا تفعلن النساء في شمس حارقة بساحة الباساج، فهل تواجدهنّ من اجل بيع السجائر أم من اجل ترك صورتهن تخاطب أذهان الكلّ في صمت قاتل يحاكينا و ربما يحاكي ضرورة كل رجل يقف ليشتري علبة سجائر...

نظراتهن متشابهة، نظرة مشحونة بتعب من لعبة الحياة، وجوههنّ شاحبة و مع حرقة الشمس اصبحت كلون الارض... و نعلم جميعا الى ما يرمز لون الأرض و سمرتها... ينظرن الى المارة باستغراب و بدهشة لوضع المارة ام لوضعهن المستقر يوما كاملا في مكان واحد لبيع السجائر...

فهل يبعن الموت أم الوهم أم الأحلام التي لا حقيقة لها سوى الأوهام؟

توجهت إلى إحداهن ألقيت التحيّة فألقت بمثلها و قالت "أختي تحب باكو؟" شنوّا النوع؟" فأجبتها شكرا أنا لا أدخن و لكن أردت أن أسألك سؤال، و بداخلي كنت اردد كيف ستكون ردة فعلها يا ترى؟ أجابتني تفضلّي، فقلت أولا انتبهي إلى صحتك في هذه الشمس الحارقة و خذي مكانا به ظلا فهي شمس قاتلة، نظرت و ابتسمت و قالت الموت عادي... هاذيكا الخبزة....فسألتها ألا يوجد نوع أخر لأكل الخبز... فأجابتني بيع السجائر ربما يستطيع أن يوفر لي قوت يومي من اكل و شرب و ماء و لباس و ... اما في وضعية كوضعيتي لا استطيع ان انتظر اخر الشهر لقبض الشهريّة... و لذلك هذه اسهل طريقة لتوفير الخبز..."

ابتسمت و شكرتها على الإجابة و واصلت طريقي، و ببالي خجل من وضع المرأة في بلدي و خجل من المطالبين بحقوق المرأة، فأي حق تطالبون به و هناك من لا تملك ابسط حقوقها بطاقة علاج و سكن و أكل و... أية حقوق و أي شعارات ترفعونها و المرأة إلى يومنا هذا منتهكة حقوقها الم ينتهي حبر القلم و اللافتات العريضة الحاملة لشعارات وهميّة تحت مسمّى "حقوق المرأة"... بربكم يا أطياف رجال الأحزاب السياسيّة كفاكم مناوشات من اجل الفوز بجواز اقامة إما في قصر رئاسي أو مجلس تأسيسي أو ... فالمرأة بعد أن عرتها السياسة السابقة اختارت اليوم أن تبيع الموت للأخر... و وراء كل صورة تختفي حكاية....
تعليقات