كثرت في تونس العاصمة ظاهرة بيع السجائر في الشوارع، و الظاهرة ليست غريبة فالمجتمع التونسي تعوّد على تنفس التبغ في كل الأمكنة المفتوحة و الضيقة و المظلمة و المضيئة، فلقد تعوّد استنشاق كمّا هائلا منه في مختلف مراحل حياته.
لكن بعد الثورة اكتشفنا ما كان يختفي في مجتمعنا في عمليّة تعريّة لصور خفيّة قمعت بل تمّ إسكاتها بالخنق و العصا و الترهيب، تعريّة جعلت التونسي يكتشف الآخر الذي تمّ إخراسه لفترات طويلة...فترات جعلت من مجتمعنا مجتمع توأمي بامتياز يتشابه في المظهر و الشكل و الفكر ليس هنالك وجود ما يسمّى بالاختلاف و ربمّا هذا مخطط من المخططات إما التاسعة أو العاشرة أو... و هذا نتج عنه موت الشعور بالانتماء و الشعور بالإبداع و الشعور بالوجود...
و من الصور التي أربكت المارّة، كما أربكتني بل جعلتني أتساءل ألف سؤال، ماذا تفعلن النساء في شمس حارقة بساحة الباساج، فهل تواجدهنّ من اجل بيع السجائر أم من اجل ترك صورتهن تخاطب أذهان الكلّ في صمت قاتل يحاكينا و ربما يحاكي ضرورة كل رجل يقف ليشتري علبة سجائر...
فهل يبعن الموت أم الوهم أم الأحلام التي لا حقيقة لها سوى الأوهام؟
توجهت إلى إحداهن ألقيت التحيّة فألقت بمثلها و قالت "أختي تحب باكو؟" شنوّا النوع؟" فأجبتها شكرا أنا لا أدخن و لكن أردت أن أسألك سؤال، و بداخلي كنت اردد كيف ستكون ردة فعلها يا ترى؟ أجابتني تفضلّي، فقلت أولا انتبهي إلى صحتك في هذه الشمس الحارقة و خذي مكانا به ظلا فهي شمس قاتلة، نظرت و ابتسمت و قالت الموت عادي... هاذيكا الخبزة....فسألتها ألا يوجد نوع أخر لأكل الخبز... فأجابتني بيع السجائر ربما يستطيع أن يوفر لي قوت يومي من اكل و شرب و ماء و لباس و ... اما في وضعية كوضعيتي لا استطيع ان انتظر اخر الشهر لقبض الشهريّة... و لذلك هذه اسهل طريقة لتوفير الخبز..."
