نادين طارق سليم - همس الفراشات - مصر
تلك كانت بعضا من القوانين التي أقرتها ماعت -إلهة العدل و الحكمة عند المصريين القدماء- من سبعة آلاف عام والتي تصل إلى 42 قانونا والتي تحولت قوانينها إلى صلاة مصرية تقال أمام محكمة الموتى كانت تكتب في كتاب الموتى الذي يرافق الميت في الحياة الأخرى، كان مقسم إلى فصول وكان هذا الفصل يُسمى بــ"إعلان البراءة أمام الإلهة العظيم".
"لم أقل كذبا، إني يا إلهي لم أوجع أو أبكي أحدا، ما قتلت و ما غدرت بل و ما كنت محرضا على قتل أحدا، إني لم أسرق ولم أغتصب مالا حراما، ولم أطفف الكيل، أنا طاهر ملأت قلبي بماعت.. الحق، العدل، الإستقامة"
لعل أعزائي القراء قد لاحظتم في النصوص التي ذكرتها بالأعلى سواء في قوانين ماعت أو الصلاة الجنائزية أنها كُتبت على طريقة النفي السلبي فلم تكن محض صدفة ولكن كان لذلك حكمة كبيرة لهذا الأسلوب الذي دونت به وحرصوا أشد الحرص أن يبتعد الأسلوب عن الأمر و النهي أو لغة التهديد والوعيد لما في ذلك فرض الأخلاق على الشعب، فلا يريدون فرض تلك القوانين الخاصة بالأخلاق على الشعب من الخارج وإنما يجب ان تكون نابعة من داخلهم ولأنهم يعلمون جيدا أن لكل منا ضمير و هو ما اعتبروه جوهرة الفضيلة و ما يجب على الإنسان سوى أن يحرك ضميره.
مكثت هذه المنظومة الأخلاقية قرونا طويلة فكانت الأخلاق و القيم الرفيعة هي حجر الأساس أو الركيزة الأساسية لبناء أعظم حضارة بداية من عصر بناة الأهرامات.
بدأ يضيق صدري بهذا الكم من العناوين المرعبة و المفجعة في الوقت ذاته التي باتت تحيط بنا من كل جانب في الجرائد والتلفاز والاخبار حتى نكاد نصبح ونمسى بها، ففي الآونة الأخيرة بدأت مصر تشهد الكثير من الإنفلات الأخلاقي، فمن منا لا يسمع عن زيادة معدلات إدمان المخدرات من منا في مجتمعنا لا يشكو من إرتفاع نسبة السرقة أو النهب أو حتى أعمال التخريب في الأماكن العامة، من منا لا يبات على خبر مفجع لحادثة تحرش أو إغتصاب التي صاروا زوارا ثقيلة على مجتمعنا غير مرغوب بهم، من منا لم يشتكي من إنحدار لغة الخطاب العام وعدم إحترام الكبير ورواج الألفاظ البذيئة والأغاني المنحدرة والإنحرافات في السلوك العام التي سقطت بنا وبأخلاقنا في هاوية الفوضى التي كادت تقريبا أن تنعدم بها الأخلاق.
أصبح التفكك الأسري سمة في المجتمع المصري خاصة في المراحل المبكرة من عمرهم فصار هناك نوع من الإهمال بالأخلاق فذلك جعل الأطفال أكثر سوءا في طباعهم و أقل عناية في مظهرهم ونظافتهم، فقد إنحدرت معايير السلوك لدى الأطفال لينشئوا على أن الشتائم البذيئة والأصوات العالية المزعجة هي عنوانا لفرد العضلات و إثبات الذات والكثير من المشكلات الخلقية التي إعتادوا عليها والتي أصبحت للأسف سائدة بينهم مثل الكذب والخيانة والكراهية، ليكبر ذلك الجيل دون رقيب عليهم وينتشر معه هذه السلوكيات الغير مرغوب بها لتتفشى في المجتمع كالسرطان الخبيث الذي لا يرحم.
أصبحنا في حاجة ماسة إلى نضج شخصية المجتمع والتي تدور حول إهتمام المجتمع بالنواحي الثقافية والفنية، فلا يكون هدف المجتمع منصب على الحياة المهنية فقط متناسيا مع ذلك جميع الجوانب الحياتية الأخرى من أخلاق و مبادئ و قيم، و الإنتباه لأي إنحدار طارئ لمعالجة هذه الأوبئة التي تفشت حديثا بين الناس و على ألسنتهم، يجب ان يعتاد الإنسان على الجمال حتى يصير القبح شيئا منبوذا يجب أن نكتسبه و نراه حتى نستطيع أن نكون قادرين على إدراكه أو بالأحرى نفتقده وسط ما نراه الآن.
