أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

جماليّات تشكّل الألم في مجموعة «على ضفاف دمعة» لنبيهة محضور: دراسة في البنية السّرديّة

المقدّمة

شهدت القصّة القصيرة العربيّة خلال العقود الأخيرة تحوّلات عميقة تجاوزت الاهتمام بالحدث إلى استكشاف التّجربة الإنسانيّة في أكثر لحظاتها انكسارًا. وصار السّرد فضاءً تتقاطع فيه الأسئلة الوجوديّة مع التّحوّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة، فغدت الشّخصيّة تحمل داخلها آثار العالم الذي يحيط بها، وتتحوّل تفاصيل الحياة اليوميّة إلى مادّة جماليّة تكشف البنية العميقة للمجتمع. وفي هذا السّياق تندرج مجموعة «على ضفاف دمعة» لنبيهة محضور، التي تكتب الإنسان اليمنيّ في مواجهة سلسلة من الاختبارات القاسية كالحرب، والفقر، والاغتراب، والسّلطة الاجتماعيّة، والخداع، وفقدان الأحبّة. كلّها تتآزر داخل نسيج سرديّ واحد.

ولا تأتي قيمة هذه المجموعة من الموضوعات التي تتناولها؛ كونها حاضرة في كثير من الأعمال السّرديّة العربيّة، وإنما تتجلّى قيمتها في الكيفيّة التي أُعيد بها تشكيل تلك الموضوعات فنّيًّا. فالقصّة تنطلق من إنسان يتحرّك داخل زمن مأزوم، وتتشكّل المأساة تدريجيًّا عبر تفاصيل صغيرة تتكاثف حتّى تبلغ لحظة الانفجار. ولهذا يشعر القارئ بأنّ النّهاية كانت كامنة في البدايات، وأنّ كلّ حركة في السّرد كانت تمهّد لما سيأتي، من غير افتعال أو مبالغة.

ومَن يقرأ قصص المجموعة قراءة متأنيّة يكتشف أنّ الشّخصيّات، على اختلاف أعمارها وأوضاعها، تشترك في سمة واحدة؛ إذ تعيش جميعها لحظة فاصلة تغيّر مجرى وجودها. فالطّفلة في قصة «عبور» تبدأ حياتها بالاقتلاع من حضن أمّها لتدخل عالم الاتّجار بالأطفال، واللّاعب في «سبعة. سبعة» يستيقظ على جسد فقد جزءًا من ذاكرته الحركيّة، والعروس في «فرح» تكتشف أنّ الطّريق إلى الحلم ينتهي عند زواج قسريّ، والمرأة في «عوض» تعود بعد ثلاثين عامًا لتجد أنّ أكثر ما تهدّم ليس البيت، وإنّما اليقين الذي عاشت فيه سنوات عمرها، بينما يواجه جابر في «عودة» الوجه الأكثر قسوة للخيانة حين تتحوّل العودة المنتظرة إلى نهاية حياته.

تكشف هذه النّماذج أنّ المجموعة تتحرّك وفق منطق الحوادث المتّصلة، ووفق رؤية سرديّة تنظر إلى الألم باعتباره نقطة تحوّل في الوجود الإنسانيّ. فكلّ قصّة تبدأ من حالة توازن نسبيّ، ثمّ يدخل عنصر جديد يخلخل هذا التّوازن، لتتبدّل علاقة الشّخصيّة بالعالم من حولها. ويمنح هذا البناء المجموعة وحدتها الفنّيّة، حتّى مع تنوّع الأمكنة والأزمنة والشّخصيّات.

وتقود هذه الملاحظة إلى الإشكاليّة الرّئيسة التي تنطلق منها هذه الدّراسة:

كيف استطاعت نبيهة محضور أن تحوّل الواقعة الاجتماعيّة إلى بناء سرديّ يمتلك قيمته الفنّيّة المستقلّة، بحيث يصبح الألم عنصرًا من عناصر التّشكيل الجماليّ، لا مجرّد موضوع للحكي؟

تقتضي الإجابة عن هذا السّؤال تجاوز القراءة الموضوعاتيّة التي تكتفي بتتبّع قضايا المرأة أو الحرب أو الفقر، والاقتراب من البنية الدّاخليّة للنّصوص؛ أي من حركة الزّمن، وبناء الرّاوي، وتشكّل الشّخصيّة، وإيقاع السّرد، والمفارقة، والعنوان، والنّهاية، والعلاقات التي تنسجها القصص فيما بينها.

وتستند هذه الدّراسة إلى المنهج السّرديّ الحديث، مستفيدة من أدوات تحليل الخطاب السّرديّ عند جيرار جينيت (Gérard Genette)، ومن مفهوم الهويّة السّرديّة عند بول ريكور (Paul Ricoeur)، ومن تصوّرات ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) حول تفاعل الأصوات، مع إبقاء النّصّ في مركز القراءة، بحيث تنبثق المفاهيم النّظريّة من حركة السّرد نفسها، ولا تُفرض عليه من الخارج.

وتفترض الدّراسة أنّ الكاتبة تبني مجموعتها وفق نسق سرديّ متكرّر، يقوم على أربع حركات كبرى: بداية تمنح الشّخصيّة أفقًا للحياة، ثمّ تصدّع تدريجيّ، يعقبه انقلاب في الرّؤية، لتنتهي القصّة بإعادة تعريف الشّخصيّة والعالم معًا. وهذا النّسق يتكرّر بأشكال مختلفة، ويمنح المجموعة وحدتها الفنّيّة على الرّغم من استقلال كلّ قصة بحبكتها الخاصّة.

وانطلاقًا من هذه الفرضيّة، تتّجه القراءة إلى تتبّع الآليّات التي أنتجت هذا الأثر الجماليّ، بدءًا بالمشروع السّرديّ العامّ للمجموعة، ثمّ الزّمن، فالرّاوي، فبناء الشّخصيّة، وصولًا إلى النّهايات التي تمثّل إحدى أكثر السّمات حضورًا في الكتاب.

أولًا- النّسق السّرديّ في مجموعة "على ضفاف دمعة"

يفتتح عنوان المجموعة أفقًا دلاليًّا تتولّد منه معظم الحركات السّرديّة اللّاحقة. فـ«الضّفاف» تحيل إلى منطقة تقع بين عالمين؛ فلا هي الماء، ولا اليابسة، بل مساحة انتقال وترقّب. أمّا «الدّمعة» فتفقد معناها الانفعاليّ المباشر لتغدو علامة سرديّة تتكّرر في صور مختلفة، حتّى تصبح الرّابط الخفيّ بين القصص جميعًا. فالشّخصيّات لا تعيش داخل الحزن بقدر ما تعيش على حافته، في اللّحظة التي يوشك فيها العالم أن يتغيّر.

هذه العلاقة بين العنوان والنّصوص تظهر منذ القصّة الأولى «عبور». يبدأ السّرد بولادة طفلة، وهي اللّحظة الأكثر التصاقًا بفكرة البداية، غير أنّ الولادة تأتي مقرونة بالفعل الأوّل الذي يواجه الجسد: الانتزاع. تقول الرّاوية:

"يد الدّاية التي انتزعتني منها آلمتني أكثر من طلقات رحمها... غادرت بي بيت والدي دون أن تراني أمّي، دون أن تضمّني إلى صدرها، دون أن تلقّمني ثدييها" (ص 6–7).

يعدّ هذا المقطع أساس النّظام الدّلاليّ للقصّة كلّها. فالانتقال يتكرّر ثلاث مرّات في أقلّ من صفحة: من رحم الأمّ إلى يد الدّاية، ثمّ إلى يد الأب، ثمّ إلى يد المهرّب. وتتبدّل الأيدي بينما يغيب الحضن. وهنا تبدأ الشّخصيّة رحلتها في العالم من خلال سلسلة من الاقتلاعات المتتابعة، فتتشكّل هويّتها على الإبعاد قبل أن تتشكّل على الانتماء.

ويزداد هذا المعنى رسوخًا عندما تكشف الرّاوية في نهاية القصّة أنّ أخواتها السّبع سبقنها إلى المصير نفسه، وأنّ الأب أبرم اتّفاقًا يمتدّ إلى عشرة أطفال... إنّ النّهاية تعيد قراءة البداية، فيكتسب كلّ تفصيل سابق وظيفة جديدة؛ فصمت الأب، وامتقاع وجه الجدّة، واستعجال الدّاية، لم تعد عناصر متفرّقة، وإنّما أجزاء من منظومة واحدة كانت تعمل منذ السّطر الأوّل.

يتكرّر هذا النّسق البنائيّ في قصّة «سبعة. سبعة»، لكن عبر تقنيّة مختلفة. يدخل القارئ إلى القصّة من بوّابة الملعب، حيث تتسارع الأفعال، وتتعالى الهتافات، ويتحرّك اللّاعب بخفّة بين المدافعين، حتّى تبلغ الحركة ذروتها عند تسجيل الهدف. وفجأة ينقطع هذا الإيقاع، ليظهر اللّاعب نفسه جالسًا على كرسيّ متحرك، يحدّق في صوره القديمة المعلّقة على الجدار (ص 8–9).

ينشأ الأثر الفنّيّ هنا من المقابلة بين زمنين: زمن يحتفظ بالحركة داخل الذّاكرة، وزمن فقد القدرة على الحركة في الواقع. وحين يتلمّس سعيد موضع ساقيه المبتورتين، يستعيد السّرد القدمين اللّتين كانتا سبب شهرته بين زملائه، فتتحوّل الذّاكرة إلى حيّز دلاليّ يقاوم عجز الجسد، ويصبح الماضي أكثر حياة من الحاضر.

ويمتدّ هذا البناء إلى قصص أخرى في المجموعة، فتغدو كلّ شخصيّة حاملة لجرحها الخاصّ، غير أنّ الجراح جميعها تصدر عن سؤال واحد: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيّته عندما تتصدّع الأرض التي يقف عليها؟

تتوّزع قصص المجموعة بين الرّيف والمدينة، والحدود، والمطار، والطّائرة، والمخيّم، والبيت القديم، والشّارع، غير أنّ المكان لا يؤدّي وظيفة الخلفيّة التي تقع فيها الأحداث، وإنّما يشارك في إنتاج التّجربة الإنسانيّة. يتبدّل المكان، وتبقى الشّخصيّة في مواجهة امتحان واحد؛ امتحان الكرامة.

تبدأ قصّة «عبور» داخل غرفة ولادة فقيرة، بجدران طينيّة وأرض ترابيّة، حيث ترسم الجمل الأولى صورة البيت قبل أن ترسم صورة المولودة. ترد في النّصّ إشارات متتابعة: «الغرفة المطليّة بالطّين»، و«العارية إلّا من بضع قطع بسيطة»، و«أرضها التّرابيّة».

لا يهيّئ هذا الوصف للمكان وحده، بل يهيّئ للمصير. فالفقر يدخل القصّة قبل الشّخصيّات، ويصبح عنصرًا فاعلًا في الحكاية. ولهذا تبدو لحظة خروج الطّفلة من البيت امتدادًا طبيعيًّا للمشهد الأوّل، إذ تقول الرّاوية:

"خَرجت مسرعة بي إلى الخارج... لم يعرني أيّ اهتمام... همست في أذنه: إنّه ولد... اتّسعت حدقتا عينيه" (ص 6).

تتكّشف البنية الاجتماعيّة للقصّة في جملة قصيرة. لم تكن الطّفلة موضوعًا للنّظر أصلًا، أمّا كلمة "ولد" فقد بدّلت ملامح الأب في لحظة واحدة. هنا تترك الكاتبة الحوار يؤدّي وظيفة التّحليل، وتغدو الكلمة الواحدة أبلغ من صفحات من الوصف الاجتماعيّ.

وتتّسع الدّلالة عند الجملة الأخيرة:

"وصلت بي إلى المكان نفسه الذي انتهت إليه شقيقاتي السّبع... تنفيذًا لعقد أبرم مع أبي لعشرة أولاد" (ص 7).

تستحقّ كلمة «عقد» وقفة خاصّة. فهي تنتمي إلى لغة التّجارة، وقد أُقحمت داخل أكثر العلاقات الإنسانيّة قداسة. وبهذا الاختيار اللّغويّ يتحوّل الأب من مصدر للحماية إلى طرف في صفقة، وتغدو البنوّة موضوعًا للبيع والشّراء. لم يحتج النص إلى خطاب أخلاقيّ، لأن المفردة نفسها أنجزت الصّدمة.

وتسلك قصّة «سبعة. سبعة» طريقًا مختلفًا، لكنّها تحقّق الأثر نفسه إذ يُفتتح السّرد بمشهد تتسارع فيه الأفعال: «يتلاعب بالكرة»، «يقترب من المرمى»، «يخترق خطّ الدفاع»، «يسدّد» (ص 8).

الفعل هو سيّد المشهد، ولذلك يشعر القارئ بالحركة قبل أن يتبيّن الشّخصيّة،

بعد أسطر قليلة يتوقّف هذا الإيقاع فجأة:

"يحاول الوقوف، تخذله قدماه، يقبض بكلتا يديه على عجلتَي كرسيه المتحرّك" (ص 8).

ينتقل السّرد من أفعال الحركة إلى أفعال العجز: يحاول، تخذله، يقبض. وقد بُني هذا الانتقال من غير تعليق. الجسد هو الذي يروي ما جرى.

ثمّ يستدعي السّرد نقطة التّحوّل التي أدّت إلى بتر السّاقين، غير أنّ الحرب لا تدخل النّصّ في صورة معركة أو تقرير سياسيّ، وإنما تدخل عبر أمّ تبحث عن طفلها:

"خرجت أمّه تبحث عنه... سحب من الدّخان تغطّي المنطقة... هناك كان القصف... الطّائرة تعاود قصفها من جديد".

اختارت الكاتبة عين الأمّ، فصار القصف تجربة إنسانيّة قبل أن يكون حدثًا عسكريًّا. وعندما تموت الأمّ بعد أيّام متأثّرة بشظيّة، يبقى سعيد بين صورتين: صورة الأمّ المعلّقة أمام سريره، وصورة القدمين اللّتين صنعتا مجده الرّياضيّ.

يتحوّل الجدار في هذه القصّة إلى أرشيف للذّاكرة؛ صور التّكريم، والقلائد، وصورة الأمّ، وكلّها تحاصر الشّخصيّة داخل ماضٍ مكتمل، بينما يتحرّك الحاضر في دائرة مغلقة.

وتكشف قصّة «فرح» قدرة الكاتبة على إدارة أفق انتظار القارئ.

العنوان يحمل وعدًا بالسّعادة، ثمّ تأتي التّفاصيل لتعزّز هذا الوعد:

"ثوب زفافها الأبيض"، "تاج من الكريستال"، "تصفيق المسافرين"، "مبارك يا فرح" (ص 10-11). .

تتراكم العلامات البصريّة ذات الإيحاء الاحتفاليّ، حتّى يصبح القارئ شريكًا في حلم البطلة. ثمّ تتوقّف الحركة عند جملة قصيرة:

"فتح لها باب السّيّارة... كان يجلس في داخلها رجل عجوز" (ص 11).

لم تُطِل الكاتبة وصف العجوز، ولم تفسّر شيئًا. اكتفت بإزاحته إلى داخل المشهد في لحظة واحدة. لذلك أحدث ظهوره انهيارًا في جميع الصّور السّابقة. وهنا تتجلّى قيمة الاقتصاد السّرديّ؛ فالجملة القصيرة حملت ثقل النّهاية كلّها.

تنتقل المجموعة بعد ذلك إلى مستوى آخر في قصّة «شغف»، حيث يتشكّل الفضاء السّرديّ عبر شاشة الهاتف. يتطوّر الحوار بين الشّخصيّتين بسرعة، وتتعاقب رسائل الحبّ، ثمّ يأتي طلب الزّواج، ثمّ إعلان إسلام الشّاب، ثمّ إرسال المال لإتمام الإجراءات. تتقدّم الأحداث بإيقاع مطمئنّ، حتّى تبدو النّهاية بعيدة تمامًا عن أفق التّوقّع.

لكنّ الصّفحة الأخيرة تعيد بناء القصّة من أوّلها:

"تم إبلاغهم بوجود ابنتهم جثّة هامدة، بلا قلب، ولا كبد، ولا كلى" (ص 15).

تفرض هذه النّهاية قراءة جديدة لكلّ ما سبقها؛ المال، والهدايا، والوسامة، والسّفر، والوعود. تتحوّل جميعها إلى أجزاء في شبكة خداع مُحكمة. وتنبع قوّة القصّة من أنّ الكاتبة لم تُسقط القارئ في الفخّ وحده، بل جعلته يعيش الوهم نفسه الذي عاشته الشّخصيّة. فكيف بدت شخصيّات المجموعة؟

ثانيًا- الشّخصية السّرديّة بين الفرديّ والجمعيّ

تتقدّم الشّخصيّة في هذه المجموعة قبل الحدث. وما إن يستقّر حضورها في وعي القارئ حتّى تبدأ الوقائع في تغيير مسارها. ولهذا يحتفظ معظم أبطال القصص بأسمائهم وملامحهم الإنسانيّة، فلا يتحوّلون إلى نماذج اجتماعيّة مجرّدة، مع أنّ كلّ واحد منهم يحمل قضيّة عامّة. ويتحقّق هذا التّوازن عبر تفاصيل صغيرة تتوزّع في بداية كلّ قصّة، فتمنح الشّخصيّة تاريخًا، وذاكرة، وعلاقات، قبل أن تضعها في مواجهة الامتحان الذي سيغيّر حياتها.

تلفت قصّة "عوض" الانتباه إلى هذه التّقنيّة منذ افتتاحها. فوفاء لا تعرّف نفسها بأنّها امرأة مطلّقة أو مغتربة عائدة، وإنّما تبدأ حديثها بجملة تختزن ثلاثين عامًا من الحياة:

"ها أنا ذا أعود إلى مسقط رأسي بعد ثلاثين عامًا من الغربة، على مقعدي في الطّائرة... ألقيت جسدي المثقل بالهموم، وغصت في أعماق وجعي" (ص16).

تكفي هذه الجملة لفتح أفق الشّخصيّة كلّه. فالفعل "أعود" يحمل الماضي والحاضر معًا، بينما يختصر التّعبير "جسدي المثقل بالهموم" تجربة عمر كامل. ولا تستعجل الكاتبة الكشف عن سبب هذا الوجع، وإنّما تترك الذّاكرة تفتحه بالتّدريج؛ فتتذكّر وفاة والديها، وحياتها مع أمين، وأيّام مكّة، ثمّ زواجه الثّاني، فالطّلاق، فالعودة إلى اليمن. تتتابع هذه المشاهد في حركة استرجاعيّة متماسكة، حتّى يصل القارئ إلى لحظة الانكسار الأخيرة، وقد أصبح يعرف الشّخصيّة من الدّاخل، لا من خلال الحدث وحده.

وتزداد الشّخصية عمقًا عندما تدخل بيت والديها المهجور. فالمكان هنا يقرأ الشّخصيّة، مثلما تقرؤه هي. تقف أمام الباب الخشبيّ، ثمّ تتنقل بين الغرف، حتّى تصل إلى غرفة أبيها:

"في وسط الغرفة باتّجاه القبلة مصحف والدي الكبير... ما زال فراشه، وسادته، وسجّادته، كلّها في أمكنتها، يغطّيها الغبار والأتربة" (ص22).

لا تقف هذه التّفاصيل عند حدود الوصف؛ فالمصحف، والسّجّادة، والغبار، جميعها تؤدّي وظيفة استعادة الزّمن الغائب. تبدو وفاء وهي تتحرّك داخل البيت كأنّها تعيد تركيب حياتها قطعةً قطعةً. لذلك تأتي دموعها في غرفتها الخاصّة بعد هذه الجولة مباشرة نتيجةً طبيعيّة لمسار الذّاكرة، وليست استجابة انفعاليّة عابرة.

وتبلغ الشّخصيّة ذروة نضجها في قصّة "عودة"، حيث تمنح الكاتبة جابر مساحة واسعة قبل أن تقوده إلى النّهاية. يبدأ السّرد بحلم قديم؛ طفل يصنع طائرة ورقيّة من أكياس الطّحين وأعواد الذّرة، ويطلقها في فضاء الوادي، بينما يسخر أقرانه من أحلامه (ص32-33).

هذا المشهد الطّفوليّ لا يؤدّي وظيفة التّمهيد فحسب، بل يفسّر شخصيّة الرّجل بعد سنوات الاغتراب. فالإصرار الذي يدفعه إلى العمل عشر سنوات متواصلة حتّى يعود بثروة، يجد جذوره في ذلك الطّفل الذي كان يرى السّماء أوسع من حدود القرية.

وتتأكّد إنسانيّة جابر في الحوار الذي يجمعه بالسّائق صدّام. لا يتحدّث عن المال الذي جمعه، وإنّما عن أمّه:

"كم كنت أتمنى أن تكون أمّي على قيد الحياة؛ لأعوّضها عن سنوات الحرمان والتّعب" (ص35).

ثمّ يبلغ البناء ذروته حين يفتح حقيبته، ويضع عشرين مليون ريال في يد صدّام قائلًا:

"خذ يا صدّام، هذه عشرون مليونًا، اقضِ دينك بالحلال" (ص38).

تسبق هذه اللّحظة النّهاية بأربع صفحات تقريبًا. وتكتسب أهمّيّتها من أنّها تغرس في القارئ صورة أخلاقيّة راسخة للشّخصيّة. وعندما يكتشف بعد ذلك أنّ الرّجل نفسه قُتل على يد زوجته وأخيها طمعًا في ماله، تتجاوز الصّدمة فعل القتل إلى سقوط الثّقة التي بنى عليها حياته كلّها (ص40-41).

ولم يكن اختيار صدّام ليكشف الجريمة اختيارًا عارضًا. فالشّخصيّة التي كادت ترتكب جريمة في بداية الرّحلة، تتحوّل إلى صاحبة الفضل في كشف جريمة أكبر. وهنا تنشأ علاقة دقيقة بين الشّخصيّتين؛ أحدهما أنقذ الآخر من السّقوط الأخلاقيّ، والآخر أعاد إليه حقّه بعد موته. هذه الحركة الدّائريّة تمنح القصّة إحكامًا بنائيًّا واضحًا.

وتقدّم قصّة "غنيمة" أنموذجًا آخر لبناء الشّخصيّة، يعتمد على البراءة أكثر من اعتماده على الذّاكرة.

تعرف البطلة العالم عبر صديقتها وفاء. تتعلّم منها اللّباس، والمدينة، والمحفظة الإلكترونيّة، وإدارة المال، حتّى تقول عنها:

"لم تكن صديقتي المقرّبة فقط، بل أختي التي لم تلدها أمّي" (ص27).

هذه الجملة وحدها تكفي لتأسيس الثّقة المطلقة التي ستقوم عليها الحبكة. وحين تكتشف البطلة أنّ حسابها البنكيّ فرغ، وأنّ وفاء استولت على أموالها "بضغطة زرّ"، تنكسر الشّخصيّة من الدّاخل، لأنّ الخيانة أصابت موضع الأمان نفسه، ولم تأتِ من غريب (ص28).

ومن اللّافت أنّ الكاتبة لا تجعل البطلة تصرخ أو تنتقم، وإنّما تترك الذّهول يتولّى التّعبير عنها. واختيار الذّهول بدل الانفعال يمنح المشهد صدقًا نفسيًّا، لأنّ الصّدمة الكبرى تبدأ غالبًا بالصّمت.

وتتكّرر هذه العناية الدّقيقة بالشّخصيّة في قصّة "على الرّصيف". لا يحمل البطل اسمًا، بل يحمل مهنة؛ معلّم قضى ثلاثين عامًا في التّعليم، ثمّ انتهى إلى بيع البطاطا في الشّارع. تبدأ القصّة بالرّصيف قبل أن تبدأ بالرّجل:

"على الرّصيف... أطفال تلاشت ابتسامتهم... يتسابقون من أجل بضعة قروش" (ص30).

ثمّ يتحرّك السّرد نحو الشّخصية شيئًا فشيئًا، حتّى يكشف أنّها كانت معلّمًا:

"ثلاثون عامًا في محراب العلم... ها هو اليوم على الرّصيف يحاصره الجوع ويغتاله الفقر" (ص31).

تكشف هذه النّهاية عن قدرة الكاتبة على بناء الشّخصيّة عبر التّدرّج، فلا يدخل القارئ إليها مباشرة، وإنّما يلتقيها في قلب المشهد الاجتماعيّ، ثم يكتشف تاريخها بعد أن يشاركها الإحساس بالمكان.

ويمتدّ هذا الأسلوب إلى قصّة "المسافرة". فالشّخصيّة تظلّ غامضة طوال الرّحلة. الأمّ تحمل رضيعها، ترشّ العطر باستمرار، وتتجنّب النّظر إليه، بينما تتزايد شكوك الرّاكب الجالس إلى جوارها، ثمّ شكوك المضيفة. يتقدّم السّرد عبر مراقبة السّلوك، لا عبر الكشف المباشر، حتّى تأتي اللّحظة الفاصلة:

"أزاح الضّابط لفافة الرّضيع... كان الرّضيع ميتًا... وبطنه محشوّ بكمّيّة من المخدّرات» (ص47).

تكتسب الشّخصيّة هنا بعدها التّراجيديّ من غياب صوتها. فالقارئ يعرفها من أفعالها، ومن نظرات الآخرين إليها، ومن علامات الارتباك التي تزداد مع اقتراب النّهاية. وهذا الاختزال السّرديّ يمنح القصّة توتّرًا سرديًّا يستمرّ حتّى الجملة الأخيرة.

تكشف هذه النّماذج مجتمعة أنّ نبيهة محضور تكتب شخصيّاتها من الدّاخل. تبدأ بحركة صغيرة، أو ذكرى، أو علاقة، أو كلمة، ثمّ تترك الشّخصيّة تنمو في فضائها الخاصّ. ولهذا يظلّ القارئ يتذكّر الشّخصيّات: وفاء، وجابر، وسعيد، وغنيمة، والمعلّم، والمسافرة، أكثر ممّا يتذكّر الوقائع نفسها؛ لأنّ الإنسان يحتلّ مركز البنية السّرديّة، وتتحرّك الأحداث حوله، فتغدو كلّ قصّة رحلة في مصير فرد، يحمل في أعماقه ملامح مجتمع بأكمله.

ثالثًا- بنية الخطاب السّرديّ وآليّات اشتغاله

تنهض معظم قصص "على ضفاف دمعة" على اختزال في توزيع المعلومات. لا يتلقّى القارئ الحكاية دفعة واحدة، وإنّما يدخلها من نقطة متأخّرة، ثمّ يبدأ السّرد بإعادة تركيب ما سبقها عبر الاسترجاع، أو الحوار، أو الذّاكرة. وتمنح هذه التّقنيّة النّصوص حركة داخليّة تحافظ عليها حتّى السّطر الأخير، لأنّ المعرفة تبقى ناقصة، وتزداد اكتمالًا مع تقدّم القراءة.

تبدو هذه التّقنيّة واضحة منذ السّطر الأول من قصة "عوض"، تبدأ البطلة داخل الطّائرة العائدة إلى اليمن، فتعلن منذ الجملة الأولى أنّها تحمل وجعًا ثقيلًا يرافق عودتها إلى مسقط رأسها بعد غياب ثلاثين عامًا.

يضع هذا الاستهلال القارئ أمام نتيجة معروفة؛ امرأة عائدة محطّمة بعد غربة طويلة، لكنّه يحجب السّبب. ومن هنا يبدأ السّرد في تفكيك الماضي. تتذكّره بكلّ تفاصيله، ويأتي كلّ مشهد في موضعه، فلا يشعر القارئ أنّه أمام ذكريات مبعثرة، وإنّما أمام بناء يستعيد الماضي بقدر ما يحتاج إليه الحاضر.

ويتأكّد هذا النّسق في المشهد الذي يسلّمها فيه أمين ورقة الطّلاق. فالقارئ عرف الزّوج قبل هذه اللّحظة رجلًا وفيًّا، كريمًا، محبًّا، وقد تكرّر وصف إخلاصه في صفحات عديدة، حتّى إذا وقف أمام زوجته قائلًا إنّه يريد طلاقها، جاءت الصّدمة نتيجةً لانقلاب الشّخصيّة في نظر البطلة، لا نتيجةً للطّلاق وحده. تقول:

"أخرج من جيبه ورقة الطّلاق، وتذكرة السّفر، وظرفًا فيه مال... وقال: غدًا الصّباح يأخذك السّائق إلى المطار" (ص19).

يستقرّ السّرد في هذا المشهد، ولا يطيل الحوار. الجمل قصيرة، والإيقاع هادئ، بينما تتّسع الفجوة النّفسيّة بين الشّخصيّتين. وهنا تبلغ الكتابة إحدى نقاط قوّتها؛ فالصّمت يؤدّي من الوظيفة ما تعجز عنه الانفعالات المباشرة.

أمّا في قصّة "المسافرة" فيُفتتح النّصّ برحلة جوّيّة عاديّة. امرأة تحمل رضيعها، ومضيفة طيران تقدّم المشروبات، وركّاب يتنقّلون بين المقاعد. كلّ شيء يتحرّك وفق الإيقاع الطّبيعيّ للسّفر. غير أنّ الكاتبة تزرع داخل هذا الهدوء إشارات صغيرة، تبدو في البداية عابرة، ثمّ تتجمّع تدريجيًّا حتّى تصبح مفاتيح النّهاية.

لا يفسّر السّرد هذه التّفاصيل، ولا يعلّق عليها، وإنّما يتركها تتراكم في ذاكرة القارئ. وعندما يكشف الطّبيب أنّ الطّفل توفّي قبل أربع وعشرين ساعة، وأنّ بطنه محشوّة بالمخدّرات، تعود تلك الإشارات جميعها لتكتسب معناها الحقيقيّ (ص47).

وتكشف هذه القصّة عن وعي واضح بإدارة التّلقّي؛ فالمعلومة الحاسمة لا تأتي لتفاجئ القارئ فحسب، بل تعيد تنظيم قراءته لما سبقها. ومن هنا تنشأ لذّة الاكتشاف، وهي إحدى الخصائص الأساسيّة في القصّة القصيرة المحكمة.

ويبلغ تأجيل المعرفة ذروته في قصّة "عودة"، يعرف القارئ منذ الصّفحات الأولى أنّ "جابر" عاد من الغربة محمّلًا بالهدايا والأموال، وأنّه يشتعل شوقًا إلى زوجته وابنه. يتابع رحلته مع السّائق صدّام، ويشهد موقفه النّبيل عندما ينقذه من الدّيون، ثمّ يودّعه أمام باب بيته. عند هذه اللّحظة يبدو البناء السّرديّ مكتملًا، وكأنّ القصّة انتهت.

غير أنّ الكاتبة تترك خمس سنوات تمرّ بين المشهدين.

يعود صدّام يبحث عن الرّجل الذي غيّر حياته، فيفتح له صبيّ الباب قائلًا:

"أبي في السّعوديّة... عمري ما شفته" (ص39).

هذه الجملة القصيرة تقلب مسار القصّة كلّه. فالقارئ يعرف أنّ "جابر" وصل إلى بيته، بينما الصّبيّ يؤكّد أنّه لم يعد قط. ومن هذا التّناقض يبدأ التّحقيق السّرديّ، حتّى تنكشف الجريمة المدفونة تحت فناء المنزل (ص41).

وتمنح هذه البنية القصّة بُعدًا بوليسيًّا من غير أن تغادر فضاءها الإنسانيّ. فالاهتمام ينصرف إلى مصير الإنسان، لا إلى تعقيد اللّغز.
وتستخدم الكاتبة الآليّة نفسها في قصة "غنيمة" مع اختلاف الوسيط السّرديّ.

تعيش البطلة ثقتها المطلقة بصديقتها وفاء، فتسلّمها تفاصيل حياتها، وتترك لها إدارة محفظتها الإلكترونيّة. تمضي الصّفحات في رسم علاقة صداقة دافئة، ثمّ يأتي المشهد داخل البنك:

"أخبرنا الموظّف بأّنه لم يتبقّ في حسابي إلّا مليون ريال... عرض علينا إشعارات السّحب... علمت أنّ صديقتي المقّربة وفاء استغلّت جهلي، وسرقتني بضغطة زرّ" (ص28).

لم يأت فعل السّرقة في لحظة وقوعه، بل ظهر بعد اكتماله. وهذا التّأخير يضاعف أثره؛ لأنّ القارئ عاش مع البطلة شعورها بالأمان، قبل أن يشاركها لحظة الانهيار.

وتتكرّر هذه البنية في قصّة "على الرّصيف". يفتتح النّصّ بمشهد عامّ:

"على الرّصيف أجساد مثقلة بالهموم... أطفال تلاشت ابتسامتهم... أيدٍ مشقّقة... أقدام عارية" (ص30).

يبدو المشهد في البداية وصفًا للمدينة، ثمّ يتقدّم السّرد خطوة واحدة نحو بائع البطاطا، ثمّ يكشف بالتّدريج أنّه معلّم أفنى ثلاثين عامًا في التّعليم.

جاءت المهنة متأخّرة عن حضور الشّخصيّة، فاكتسبت قوّة دلاليّة أكبر. لم يعد الرّجل بائعًا مجهولًا، بل صار رمزًا لانهيار قيمة المعرفة في مجتمع أنهكته الحرب والأزمات الاقتصاديّة.

تكشف هذه النّماذج أنّ الكاتبة تمتلك حسًّا واضحًا في ترتيب المعرفة السّرديّة. فهي تدرك أنّ أثر الحدث لا يتحدّد بطبيعته وحدها، بل باللّحظة التي يُكشف فيها، وبالمسافة التي يقطعها القارئ قبل الوصول إليه. ولذلك تخرج معظم النّهايات من داخل البناء نفسه، وتبدو خاتمةً لمسار بدأ منذ السّطر الأوّل، لا مفاجأةً أضيفت لإحداث الصّدمة. ومن هنا يكتسب السّرد تماسكه، ويحتفظ كلّ نصّ بقدرته على مرافقة القارئ بعد انتهاء القراءة، لأنّ النّهاية تفتح الحكاية من جديد، وتدعوه إلى إعادة تأمّل بدايتها.

أمّا قصّة «عودة» فتقدّم أكثر النّهايات إحكامًا في المجموعة. فالسّرد يغلق دائرة كاملة؛ تبدأ الرّحلة بعودة جابر إلى وطنه، وتنتهي باكتشاف أنّه لم يغادر عتبة بيته حيًّا. ويصبح صدّام، الذي نجا بفضل جابر من جريمة كان ينوي ارتكابها، سببًا في كشف الجريمة التي أودت بحياة من أنقذه. (ص41). يحقّق هذا البناء نوعًا من العدالة السّرديّة؛ إذ تستعيد الشّخصيّة حقّها بعد موتها، ويصبح الخير الذي صنعته في بداية القصّة سببًا في انكشاف الحقيقة في نهايتها.

وتكشف هذه النّهايات مجتمعة عن وعي بنائيّ واضح؛ فهي لا تعتمد المفاجأة المجرّدة، وإنّما تقوم على إعادة تأويل النّصّ. فالقارئ لا يحمل معه النّهاية فقط، بل يحمل النّصّ كلّه وقد تبدّلت معانيه.

الخاتمة

وعليه، يفضي انتظام هذه الآليّات إلى خطاب سرديّ يشتغل بمنطق الإحكام البنائيّ، حيث تُغيّر العناصر السّرديّة وظائفها الجزئيّة لتدخل في شبكة من العلاقات المتبادلة، فلا تستمدّ الجملة قيمتها من معناها المباشر، وإنّما من موضعها داخل النّسق الكلّيّ للنّصّ. وبهذا تتحوّل البداية إلى بؤرة توليد، ويغدو الإرجاء أداة لضبط إيقاع القراءة، بينما تستعيد الخاتمة ما تفرّق في المتن، فتمنحه وحدة دلاليّة جديدة. وهنا يتجلّى ما ذهب إليه جيرار جينيت حين جعل الخطاب السّرديّ بناءً تتحكّم فيه طرائق ترتيب الحكاية، وتوزيع الزّمن، وزاوية الرّؤية، أكثر ممّا تتحكّم فيه مادّة الحكاية نفسها. كما يلتقي هذا النّسق مع تصوّر تودوروف (Tzvetan Todorov) الذي يُقيم أدبيّة السّرد على العلاقات التي تنشأ بين مكوّناته، إذ تكتسب العناصر السّرديّة قيمتها من انتظامها داخل البنية، لا من استقلالها عنها. ومن ثمّ، تبني المجموعة خطابها عبر ترابط داخليّ يجعل كلّ تفصيل جزءًا من معمار قصصيّ محكم، فتغدو الدّلالة ثمرة هذا الانتظام البنائيّ قبل أن تكون نتيجة الحدث نفسه.

كذلك تكشف القراءة أنّ مجموعة «على ضفاف دمعة» تمتلك مشروعًا سرديًّا متماسكًا، يقوم على تحويل التّجربة الإنسانيّة إلى بنية فنّيّة تتقاطع فيها الذّاكرة، والزّمن، والمكان، والشّخصيّة، من غير أن يطغى عنصر على آخر. وتتوزّع القصص على بيئات وأحداث مختلفة، غير أن خيطًا دقيقًا يجمعها، يتمثّل في لحظة التّحوّل التي تخرج فيها الشّخصيّة من يقينها الأوّل إلى وعي جديد بالعالم.

ولم تتعامل نبيهة محضور مع الحرب، أو الفقر، أو الاغتراب، أو الخداع، على أنّها موضوعات مستقلّة، بل جعلتها قوى سرديّة تدفع الشّخصيّات إلى إعادة اكتشاف ذواتها. ولهذا حافظت الشّخصيّات على فرديّتها، ولم تذب في الشّعارات أو الخطابات المباشرة.

وأظهرت الدّراسة أنّ الزّمن يؤدّي دورًا محوريًّا في إنتاج الدّلالة، إذ تتقدّم معظم القصص من النّهاية النّفسيّة نحو أسبابها، ويصبح الاسترجاع وسيلة لبناء الشّخصيّة، لا مجرّد استعادة للماضي. كما تبيّن أنّ النّهايات تشكّل مركز الثّقل في البناء القصصيّ، لأنّها تعيد قراءة النّصّ كلّه.

كذلك تبرز القراءة ملمحًا آخر لم يحظ بالاهتمام الكافي، يتمثّل في أنّ وسائل الانتقال تشكّل بنية رمزيّة تتكّرر في أنحاء المجموعة. فالولادة تقود إلى سيّارة تهريب في «عبور»، والطّائرة تحمل العروس في «فرح»، والطّائرة نفسها تعيد وفاء إلى وطنها في «عوض»، والحافلة تعيد "جابر" من غربته في «عودة»، والطّائرة تنقل الرّضيع الميت في «المسافرة». لا يؤدّي الانتقال وظيفة مكانيّة، بل يصير معبرًا بين مرحلتين من الوجود؛ لذلك يغادر أبطال هذه القصص وسيلة النّقل وهم أشخاص آخرون. هذه البنية الرّمزيّة تمنح المجموعة وحدة داخليّة تتجاوز تعاقب القصص.

وتتبدّى فرادة المجموعة أيضًا في حضور الذّاكرة بوصفها قوّة فاعلة في تشكيل الحاضر. فالشّخصيّات لا تواجه مصيرها منفصلة عن ماضيها، وإنّما تحمل معها بيت الطّفولة، والأمّ، والمصحف، والطّائرة الورقيّة، والملعب، والقرية... حتّى تغدو الذّاكرة شريكًا في صناعة الحدث، لا مجرّد مادّة للاسترجاع.

بالتّالي نجحت المجموعة في بناء وحدة فنّيّة على الرّغم من استقلال القصص، واعتمدت وحدة الرّؤية بدل وحدة الشّخصيّات أو المكان.

وكشفت عن صوت قصصيّ يمتلك قدرة واضحة على التقاط المأساة الإنسانيّة في لحظة تشكّلها، مع ميل إلى النّهايات التي لا تنهي الحكاية، بل تفتحها على أسئلة أخلاقيّة وإنسانيّة تتجاوز حدود النّصّ.

تعليقات