الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.
كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.
يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي. ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي.
في السطور التالية، نفتح معه نقاشًا حول أبرز القضايا التي أثارها كتابه الأخير.
* لماذا تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية بعد أن راكمت تجربة تعيلمية وأكاديمية في الدراسات الأدبية؟
* ما الدواعي التي حفزتك- في كتابك الأخير- على البحث في أصول الأنثروبولوجيا العربية؟
ثانيها، أن مفهوم المسافة يحتاج إلى تطوير مشروط بالمثاقفة. فليس مفهوم المسافة هنا يعني الحذر والحيطة من السقوط في دوائر الأسئلة والنّظريات الغربيّة فقط، وإنّما يعني بالأساس الاستثمار في الأدوات التي تجعل من الوعي بضرورة الاستقالة من هيمنة النّظريات الاجتماعية الغربيّة خلفيّة للمثاقفة وبناء حوار عادل بين المنتوج الأنثروبولوجي العربي وبين ما هو مكرّس في النّظريات الغربية.
ثالثها، أن التطوّرات العميقة التّي تشهدها المجتمعات العربيّة، في سياق الثورات التّكنولوجية والرقميّة ووسائل التواصل، تقتضي فهما مختلفا يتجاوز التصور التقليدي لمعاني الرموز والطقوس التّي ينتجها الإنسان العربيّ. لأن من طبيعة المعاني التحوّل بالرغم من أن أسسها الثقافية العميقة أو الصلبة تظلّ ثابتة في الذّاكرة ولو بتفاوت أو بشكل نسبي. لكن فهم المعاني التي ينتجها الإنسان العربيّ اليوم وكيفية بنائه للرموز إما مطورة من سابقتها أو مبتكرة، يظل ضرورة من أجل الفهم الأشمل للاتّجاه الذي تسير فيه المجتمعات العربيّة وفحص سؤال تغير الهوية أو بقائها على صورتها التقليديّة.
* ما العوائق التي تعترض مسيرة الأنثروبولوجيا العربية؟
* كيف يمكن للأنثروبولوجيا العربية أن تسهم في إعادة تعريف الهوية العربية بعيدا عن ثانئية " الذات/ الآخر" التي طبعت الدراسات الكولونيالية؟
هنا يأتي دور الأنثروبولوجيا العربيّة " المُوَطَّنة" في إعادة صياغة مفهوم مختلف للهويّة العربية يقوم على نقد مزدوج لهذه الثنائية. أولا، تفكيك السّرديّة المتحيّزة إلى الهويّة الجوهرانيّة وهو تحيّز متحجّر، وثانيا تفكيك المركزية الغربية باعتبارها منظومة معرفيّة استعلائية طامسة للحقيقة. وعليه، فالذّي يظلّ منوطا بالأنثروبولوجيا العربيّة نجاحها في التّنظير إلى الهويّة كنسق اجتماعي وثقافي قابل للتحوّل ويتأسّس على التفاعل والتناوب بحسب اختلاف السياقات وضوابطها. من خلال هذا النّقد المزدوج يصبح السّؤال الأصح من داخل الأنثربولوجيا العربيّة المُوَطّنة مصاغا على النحو التّالي: كيف يُعاد بناء معنى العروبة وصوغ مسلكيات معرفية وسلوكية من داخل المعيش الاجتماعي؟ هذا السّؤال المركزيّ يحيل مباشرة إلى تحدّي الاعتراف بالتنوّع الثقافي واللغوي الذّي تزخر به المجتمعات العربيّة، عوض طغيان السرديّة التقليدية التي تعتبر الهوية العربيّة مجسّدة في الوحدة الثقافية واللغوية ضاربة بعرض الحائط معطى ثراء التعدّد الذي تزخر به المجتمعات العربيّة. بهذا النّقد إذن، تصبح ثنائية الذّات والآخر شبكة من العلاقات المتقاطعة لا يستطيع أحد طرفيها أن يكون مستعليا أو منقطعا عن الآخر، وهذا بضغط من ثورة تكنولوجيا الاتصال والذّكاء الاصطناعي التّي ألغت الحدود والفواصل وصعوبة الحصول على المعلومة.
* هل ترى أن تأصيل الأنثروبولوجيا العربية هي استجابة لهيمنة النموذج الغربي؟ أيمكن اعتبار الأولى امتداد للثانية أم قطيعة معرفية معها؟
ومادام التّوطين يظلّ حاجة معرفيّة عربيّةّ، فهو يتوخّى علميا أخذ كلّ الحذر أمام التقليعات والفذلكات التّي تدعو إمّا إلى مقاطعة الإرث النظري الأنثروبولوجي الغربي، وإمّا بالعودة الجوهرانيّة إلى التراث، والتمسّك بالأسماء البارزة فيه كابن خلدون وعدد من الرحّالة الذين درج كثير من الدّارسين متونهم في خانة السير الذاتية بالمعنى الأنثروبولوجي. هذا ما حاول عبد الله حمودي التّنبيه إليه في كتابه " المسافة والتحليل" الإجابة عنه، وهو الدّور الذي قمت به في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين".
إن الوعي بتوطين الأنثروبولوجيا العربيّة، أو بتأصيلها، نابع من الحاجة إلى الانتقال من تفسير المجتمعات العربيّة بعُدَدٍ نظرية ومفهومية مضبوطة بسياق غربي ومشروطة بثقافته، إلى تفسيرها بأدوات داخلية بلوغا لفهم أصوب للبنيات العميقة التّي تتحكّم فيه. ص غير أن هذا لا يعني الوقوع في جوهرانيّة عربيّة تنتصر إلى " العربي" باعتباره تاريخا وهويّة، وإنّما استنصارا إلى العلميّة التي تقوم على الانفتاح والتثاقف والاعتراف بالآخر مع وجود مسافة نظرية ومفهوميّة مستقاة من الواقع العربي نفسه.
ما طرحته في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين" وقوفا عند بعض الدّراسات السّابقة، لا يعني اكتمالا لفكرة التّوطين أو الملاءمة نفسها. وإنّما محاولة اجتهاد في وضع الأسس التّي يقوم عليها التّوطين. لأن التوطين يستدعي تراكما في البحث الميداني المقرون باستنباط النظرية والمفاهيم النابعين من الميدان العربي ذاته تجنبا لأي اجترار أو إسقاط لنظريات ومفاهيم مستخلصة من واقع مجتمعات مغايرة. هذا ما ركّزت عليه في سياق حديثي عن معنى " المحلّيّة" العربية ودلالاتها وأبعادها الاثنوجرافية في ارتباطها بالمفهوم الذي حاولت بلوته والذي وسمته بـ" التفصيل الفلسفي". وبالرغم من ذلك، ومما سبق من دراسات، يظلّ رهان التّوطين متعثّرا لأنّه يقتضي كثيرا من الاجتهاد في النّظر وفي إقامة منهج أكثر تطوراً، لأنّ زمن المجتمعات العربيّة اليوم يختلف عن سابقه بتأثير من سرعة الثورات التكنولوجية والرقمية والتواصلية. وهذا يستدعي جهدا مضافا لا يكتفي بالمثاقفة والوعي بالمسافة، وإنّما بالبحث عن إمكانات فكرية ومفهوميّة خلاقة تفاعلا مع هذه الثورات التكنولوجيا المزلزلة.
* ما الفرق بين " توطين الأنتربولوجيا" بصفته مسعى معرفيا وبين "الانتربولوجيا الكونية" باعتبارها علما له أدوات ومناهج موحدة؟ هل يمكن الجمع بينهما دون الوقوع في فخ الخصوصية المفرطة أو التبعية المطلقة؟
لا بدّ من التّأكيد على أنّ التقنيات والمناهج التّي تعتمدها الأنثروبولوجيا تظل مشتركة في التفسير العلمي لدى الدّارسين في العالم. فالاشتغال الميداني والملاحظة بالمشاركة والمعايشة والمقابلة وتحليل الرموز والطّقوس، كلّها تقنيات لم تعد حكرا على ثقافة ومعرفة مخصوصتين، بل هي جميعها آليات معرفية ومنهجيّة تحظى بشرعية الإشتغال بها في مختلف المجتمعات.
