أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

من أبوظبي… نحو عدالة تسبق الجريمة

تستضيف أبوظبي، من 26 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، بمشاركة مسؤولين وخبراء وممارسين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم.

ولا يمثل انعقاد هذا المؤتمر في دولة الإمارات حدثاً دولياً جديداً يُضاف إلى أجندتها فحسب، بل يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها الدولة بوصفها مساحة للحوار الدولي، وشريكاً فاعلاً في مناقشة القضايا المرتبطة بالأمن وسيادة القانون وحماية الإنسان.

منذ انطلاق مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في جنيف عام 1955، شهد العالم تحولات عميقة في طبيعة الجريمة ووسائل ارتكابها. فالجريمة اليوم لم تعد مقيدة بحدود جغرافية واضحة، ولم يعد مرتكبها يحتاج بالضرورة إلى الانتقال من دولة إلى أخرى. قد تبدأ الجريمة عبر شاشة، وتنتقل أموالها بين عدة دول خلال دقائق، فيما يوجد الضحايا والجناة والأدلة الرقمية في ولايات قضائية مختلفة.

ولهذا يأتي المؤتمر الخامس عشر تحت عنوان يعكس حجم المرحلة: «تسريع منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الإنسان والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي».

هذا العنوان يضع أمام المجتمع الدولي مجموعة من الملفات التي لم يعد ممكناً التعامل معها بصورة منفصلة، من الجريمة المنظمة والإرهاب والاتجار بالبشر والمخدرات وغسل الأموال، إلى الجرائم السيبرانية والجرائم التي تمس البيئة، فضلاً عن استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة داخل أنظمة العدالة الجنائية.

لقد أتاحت التكنولوجيا فرصاً كبيرة لتطوير التحقيقات، وتحليل البيانات، والوصول إلى الأدلة، وتسريع الإجراءات. لكنها في الوقت نفسه أوجدت تحديات قانونية وأخلاقية دقيقة تتعلق بالخصوصية، وحماية البيانات، وشفافية الخوارزميات، والمسؤولية عن القرارات التقنية، وضمان بقاء الإنسان جزءاً أساسياً من منظومة العدالة.

ولا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوة مؤسساتها، أن تواجه هذه التحديات بمفردها. فمكافحة الجرائم العابرة للحدود تحتاج إلى تعاون قضائي وأمني سريع، وتشريعات أكثر قدرة على مواكبة التحولات، وآليات فعالة لتبادل المعلومات والأدلة، إلى جانب بناء الثقة بين المؤسسات الوطنية والدولية.

كما أن منع الجريمة لا يبدأ داخل قاعات المحاكم فقط. يبدأ من التعليم، ودعم الأسرة، وحماية الأطفال والشباب، وتعزيز الوعي القانوني، والتعامل مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد من احتمالات العنف أو الاستغلال أو الانخراط في الجريمة.

ومن هنا تبرز أهمية مشاركة المجتمع المدني في المؤتمر. فالمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المجتمعية تعمل بالقرب من الضحايا والفئات الأكثر عرضة للخطر، وتنقل إلى النقاش الدولي تجارب لا تظهر دائماً في التقارير الرسمية. كما يمكنها المساهمة في الوقاية، ونشر الثقافة القانونية، ومراقبة أثر السياسات، والدفاع عن عدالة تضع كرامة الإنسان في صميم عملها.

وبالنسبة إليّ، تحمل المشاركة في هذا المؤتمر، وإدارة جلسة حول التعاون الدولي لمواجهة الجريمة، مسؤولية مهنية وإنسانية خاصة. فهي فرصة للاستماع إلى تجارب متعددة، وطرح قضايا تمس واقعنا العربي، والمساهمة في حوار لا يكتفي بتشخيص المخاطر، بل يبحث عن أدوات تعاون قابلة للتطبيق.

إن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بعدد الوفود أو الجلسات، وإنما بمدى قدرة ما يصدر عنه من توصيات والتزامات على الانتقال من قاعات الاجتماعات إلى القوانين والسياسات والممارسات اليومية. فالعدالة الفاعلة هي التي تصل إلى الضحية، وتحمي الحقوق، وتمنع الإفلات من العقاب، وتستعد للجريمة قبل وقوعها.

من أبوظبي، يجتمع العالم لمناقشة مستقبل منع الجريمة والعدالة الجنائية في عصر شديد التعقيد. واستضافة الإمارات لهذا الحوار تمنح المنطقة العربية فرصة مهمة لكي تكون حاضرة في صياغة الإجابات، وأن تقدم خبراتها ورؤيتها، لا أن تظل مجرد متلقٍ للقرارات الدولية.

فالجرائم تتطور سريعاً، والعدالة مطالبة بأن تكون أكثر سرعة وتعاوناً واستعداداً للمستقبل.
تعليقات