ولا يمثل انعقاد هذا المؤتمر في دولة الإمارات حدثاً دولياً جديداً يُضاف إلى أجندتها فحسب، بل يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها الدولة بوصفها مساحة للحوار الدولي، وشريكاً فاعلاً في مناقشة القضايا المرتبطة بالأمن وسيادة القانون وحماية الإنسان.
ولهذا يأتي المؤتمر الخامس عشر تحت عنوان يعكس حجم المرحلة: «تسريع منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الإنسان والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي».
هذا العنوان يضع أمام المجتمع الدولي مجموعة من الملفات التي لم يعد ممكناً التعامل معها بصورة منفصلة، من الجريمة المنظمة والإرهاب والاتجار بالبشر والمخدرات وغسل الأموال، إلى الجرائم السيبرانية والجرائم التي تمس البيئة، فضلاً عن استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة داخل أنظمة العدالة الجنائية.
ولا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوة مؤسساتها، أن تواجه هذه التحديات بمفردها. فمكافحة الجرائم العابرة للحدود تحتاج إلى تعاون قضائي وأمني سريع، وتشريعات أكثر قدرة على مواكبة التحولات، وآليات فعالة لتبادل المعلومات والأدلة، إلى جانب بناء الثقة بين المؤسسات الوطنية والدولية.
ومن هنا تبرز أهمية مشاركة المجتمع المدني في المؤتمر. فالمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المجتمعية تعمل بالقرب من الضحايا والفئات الأكثر عرضة للخطر، وتنقل إلى النقاش الدولي تجارب لا تظهر دائماً في التقارير الرسمية. كما يمكنها المساهمة في الوقاية، ونشر الثقافة القانونية، ومراقبة أثر السياسات، والدفاع عن عدالة تضع كرامة الإنسان في صميم عملها.
إن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بعدد الوفود أو الجلسات، وإنما بمدى قدرة ما يصدر عنه من توصيات والتزامات على الانتقال من قاعات الاجتماعات إلى القوانين والسياسات والممارسات اليومية. فالعدالة الفاعلة هي التي تصل إلى الضحية، وتحمي الحقوق، وتمنع الإفلات من العقاب، وتستعد للجريمة قبل وقوعها.
من أبوظبي، يجتمع العالم لمناقشة مستقبل منع الجريمة والعدالة الجنائية في عصر شديد التعقيد. واستضافة الإمارات لهذا الحوار تمنح المنطقة العربية فرصة مهمة لكي تكون حاضرة في صياغة الإجابات، وأن تقدم خبراتها ورؤيتها، لا أن تظل مجرد متلقٍ للقرارات الدولية.