ومن هنا نجد ابن القيم يستدل بالمساواة في الشهادة بقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمةً وسطًا لتكونوا شُهَداءَ على النّاسِ وَيَكُونُ الرسول عليكم شهيدًا)، على أنَّ المرأة كالرجل في الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة، فالمرأة كالرجل في رواية الحديث، التي هي شهادة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإذا كان ذلك ممَّا أجمعت عليه الأمة، ومارسته راويات الحديث جيلًا بعد جيل. والرواية شهادة. فكيف تُقبل الشهادة من امرأة على رسول الله، وعلى شرع الله، ولا تُقبل على واحد من النَّاس؟، إنَّ المرأة العدل كما يقول ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية كالرجل في الصدق والأمانة والديانة.
ولكن الفقهاء الذين قبلوا من الإمام ابن القيم أنَّ الفتوى توقيع عن الله تعالى، لم يقبلوا منه ما قاله بشأن مساواة المرأة بالرجل في الشهادة أمام القضاء، وأصرّوا على انتقاصهم للمرأة، مُتجاهلين الأحاديث الموضوعة التي تُقلِّل من شأن المرأة، والتي بُنيت عليها أحكام فقهية، وهذا الانتقاص يُمثِّل قمة معاناة المرأة المسلمة، فقد حكموا على المرأة بأنّها قاصر، ووضعت تحت الوصاية الذكورية للأبد، وحُرمت من ولاية المرأة للقضاء وتقييد الأحناف ولايتها للقضاء فيما تشهد فيه، يُبيِّن أنّ حكم كثير من الفقهاء في عدم قبول شهاداتها في الجنايات لا يستند على نص من القرآن، أو السنة؛ حيث أرجعوا ذلك إلى عدم قدرتها على مشاهدة الجريمة، فتُغمض عينيها، وهذا حكم ليس في محله، فالطبيبات شُرِّحت أمامهن جثث، والجرَّاحات يُجرين أدق العمليات الجراحية، ثم لو فرضنا حدثت جريمة في مجتمع نسائي، فمَن سيشهد عليها، إن لم تُقبل شهادة النساء التي شهدنها؟.. فعدم قبول شهادتها في الجنايات يساعد على القتل في المجتمعات النسائية، واجتماعاتنا النسائية هنا كلها نساء من مدارس وجامعات... إلخ، فعدم قبول شهادة المرأة في الجنايات مجرد اجتهاد من بعض الفقهاء دون سند شرعي تناقله وردده الآخرون، وأصبح كأنّه من الثوابت الشرعية. رغم أنّ هناك فقهاء لم يأخذوا به، مثل القائلين بالجواز المطلق لولاية المرأة للقضاء، وقد أخذت به دول إسلامية مثل: السودان والمغرب وماليزيا واليمن الجنوبي قبل الوحدة اليمنية.
