أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

"البلاك فيس" وثقافة الجلد في مجتمعاتنا ... لماذا لا يجب ارتداء "الوجه الأسود" مهما كانت المغريات كونك لا تشعر بالإساءة من ذلك لا يعني أنه غير مسيء؟

"الحبوبة" السودانية و " العمة جمايما" الأمريكية هما وجهان لعملة واحدة، فهما سيدتان تمتان لثقافة أفريقية عريقة وهما محبوبتان لدى أبناء جلدتهما، لكنهما وقعتا ضحيتان للسخرية والتقمص العرقي اللذان جعلاهما رمزا من رموز العنصرية والتندر.

وصورة السوداني في السينما المصرية، والأسود والهندي في المسلسلات الخليجية والعربية، جميعها مثال على عمق الجهل بمفهوم العنصرية والتندر والانتقاص من الأعراق في مجتمعاتنا العربية.

فن الإساءة

كنت أشعر بالإساءة في كل مرة كان يخرج بها بطلي " طاش ما طاش " ناصر القصبي وعبدالله السدحان بوجهين مطليين بالأسود في محاكاة " مسيئة للسودانيين والافارقة. وكذلك المطربة ميريام فارس التي ظهرت في الفيديو كليب في وجه أسود يحاكي المرأة الإفريقية. كما فعلت الأمر نفسه الممثلة المصرية شيماء سيف عندما خرجت في شخصية سيدة سودانية مطلية بالسواد القاتم في قالب مستفز ولا يراعي مشاعر الملايين من البشر بمباركة قناة فضائية رسمية وابت أن تعتذر لآلاف السودانيين الذين شعروا بالإساءة د. فضلا عن الكثير من المسلسلات والأفلام التي صورت السود في شكل مبالغ فيه ومثير للاشمئزاز حقا.

كان آخرها خروج إحدى مشاهير السوشيال ميديا في وجه أسود. واعتبرت أن اختيارها ذلك تشريف ونبذ للعنصرية حول العالم وما قامت به ليس عنصري بحد ذاته.

وقد لا يعرف كثيرون في مجتمعاتنا ما الذي يعينه أن تصبغ وجهك باللون الأسود. أو أنهم يتجاهلون عن عمد مشاعر الملايين من الأفارقة السود لمجرد التقليد الأعمى.

فارتداء الوجه الأسود أو الأصفر أو البني أو أي خاصية جينية لأي عرق بهدف السخرية او الكوميديا او التقمص هي تأكيد على التقليل من شأن الاخر ووصمه بصفة دونية لسد نقص في شخص الفاعل والتأكيد على مبدأ القوة من خلال الانتقاص من الآخرين.

الصورة مقززة، ولا يقبلها أي شخص على نفسه، وتعبر عن مدى جهل هؤلاء بإستخدام رمز من رموز العنصرية والانتقاص والذي أستخدم لمئات السنين ضد السود في الأمريكيتين وأوروبا.

أعتذر، لكنني لست آسف

قد تكون حسن النية وراء استعارة البعض للوجه الاسود، لكنهم لا يعرفون مدى الاساءة والإهانة التي يتسببون بها عند كل محاولة لمحاكاة العرق الاسود، وكأن الدنيا تخلو من ممثلين أفارقة او آسيوي الأصل قادرون على القيام بالدور الفني.

وفي مشهد لما يعانيه الغرب أيضأ من عنصرية لا واعية، قدم قاضي أمريكي استقالته لمجرد نعت متهمة بالعمة " جمايما" وهي شخصية أمريكية سوداء تمثل جزءا من ثقافة السود والافارقة في أمريكا.

والقائمة تتطول بالنسبة لمشاهير غرب قاموا بارتداء الوجه الأسود، وكثيرون منهم اعتذروا، كالرئيس الكندي جاستن ترودو، وكيم كارداشيان، ومقدمي البرامج الأمريكية جيمي كاميل وجيمي فالون والمغنية الأسترالية سييل.

والحديث في عالمنا العربي يفتقر إلى الصراحة والشفافية، وكذلك الموروث الثقافي والشعبي يفتقدان لاحترام الأخر وتقبله. فلذلك نرى أن ما يمارس من عنصرية هو أمر طبيعي وبالتالي فإن استخدام أي رمز عنصري هو أمر عادي أيضا.

ويرى كثيرون أن التموضع في قالب آخر مختلف عن الجينات التي خُلق بها مسألة لا تستدعي الاعتذار أو الشعور بالمهانة، لأن مبررهم " كنت امزح ولا اقصد الاساءة". وعلى الرغم من تقليدهم للغرب في أمر، إلا أنهم لا يقتدون بهم في تفادي ما لا يجب فعله من عنصرية.
ثقافة "الجلد" والمعايرة

والمشكلة في مجتمعاتنا يؤمن كثيرون بمفهوم " الجلد " على أنه أحد أشكال خفة الظل، وذلك بالتقليل من شأن الآخر وشكله الذي خلقه الله عليه. فأن تجلد و تعاير شخصا لمظهره الخارجي هو أحد أشكال الوناسة وخفة الظل في مجتمعاتنا الشرقية.

وفي الحقيقة، أحد أساسيات احترام الآخر هو عدم تقليده أو تعييره بما فيه، فماذا لو لم يكن ذلك الأمر ليس فيه. فالكوميديا الساخرة التي تظهر الشخص كسولا، كما فعل " القصبي" أو قبيحا كما فعلت" شيماء سيف" بتقليدهم لإخوتنا السودانيين، او تصويره بالهمجية وشدة السواد في لون " غريب" أقرب ما يكون للرمادي منه للأسود أو الأسمر، جميعها تشكل ترميزا دونيا وغير واقعي للشخص.

حقيقة، لقد سئمنا من الاعتذار غير المبرر من فئات مجتمع تقترف هذا الفعل باسم الفن والثقافة، بينما لا يمت ذلك بأي حال للفن والحضارة. إنما هو إضافة لرصيد كم الإهانات الموجهة ضد عرق كامل له ثقافته وفنه واعتزازه بحاضره وتاريخه. فكونك لا تشعر بالإساءة، فلا يعني أن ذلك الفعل غير مسيئ.

تاريخ " البلاك فيس"

وقد بدأ تاريخ "البلاك فيس" في الولايات المتحدة الأمريكية بعيد الحرب الأهلية، حيث عمد فنانون مسرحيون على طلاء وجوههم بالطلاء الأسود لمحاكاة الأمريكية من أصول أفريقية.

وتعود جذوره إلى عروض مسرحية أوروبية قبل القرن الثامن عشر والتي بدأها الأديب الأكثر شهرة شكسبير في مسرحيته عطيل. ومن ثم انتقلت تلك الممارسات من أوروبا الى الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر عبر المهاجرين الأوروبيين الذين جلبوها معهم.

ويعتبر توماس دارتموث رايس، الممثل المولود بنيويورك الأب الروحي لفن " المنستيريال" والذي طور تقمص شخصيات السود وآداها خلال العام ١٨٣٠ في مسرحية تسمى " جيم كرو".

ولعب المؤدون مجموعة من الصور النمطية السلبية عن الأمريكيين من أصل أفريقي والتي تصفهم بالكسل والجهل والخرافة والحماقة والإجرام والجبن.

وكان معظم الممثلين في المنستيرال من الأيرلنديين من الطبقة العاملة الذين عمدوا للاستهزاء بالسود لينأوا بأنفسهم عن وضعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأدنى في الولايات المتحدة. وليأكدوا على فوقيتهم على حساب العرق الأسود.

إعلام متطور وإساءة ثابتة

ومع الحداثة والتطور انتقلت أساليب الإساءة من المسارح إلى السينما ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي. فقد اختلفت الوسائط وظلت الإساءة ثابتة وراسخة في وعي المجتمعات.

يقول المفكر الفرنسي الجزائري جاك دريدا "المشكلة الأولى في الإعلام تنشأ مما لا يُترجم، أو حتى يُنشر باللغات السياسية المهيمنة أو اللغة الدارجة" وهذا ما نواجهه بالفعل. فما نراه عبر الإعلام تكمن خلفه الكثير من الايحاءات والاعتبارات التي تصنع اللاوعي السلبي لدينا.

وذلك، نحن في عالم من المتناقضات والرموز التي يقطن خلف كثير منها تراكمات سلبية تنبذ الآخر وكل ما يخالفنا في الشكل والمظهر، رغم أننا جميعا أبناء آدم الأب الأوحد لهذه البشرية. فمع وسائل الإعلام والترويج المغرضة لصالح جنس دون آخر. أصبح من الصعب تخيل أن يكون الأبيض أخ لأسود. وصرنا نرى كثير من المشاهد المشوشة التي نستاء منها ولكن لا نستطيع أن نعبر بها بكلمة لأن الإعلام أراد لنا ذلك كالعنصرية والفوقية ورموزها المتفرقة.
تعليقات