كما لم تأت عصفورة " ما تنسيش الحبة" من فراغ، والتي ظهرت في إعلان مسلي وخفيف وهادف، بهدف تنظيم النسل الذي ظهرت بوادر تضخمه بمصر مع ستينيات القرن. ليتحول هذا الإعلان بعد ذلك إلى " افييه " بخفة ظل مصرية معهودة، تناولته وسائل الإعلام والناس لفترة طويلة. في ايحاء إلى ضرورة التوقف عن الإنتاج البشري في غرف النوم. فالحكومة والشوارع المصرية لم تعد تحتمل كل هذا الحشد من السكان.
و لابد أن المساحة الاعتبارية العالمية بين كل إثنين، والتي تقدر بمتر واحد، تكاد تنعدم بين المصريين في القطارات والباصات والميكرو باصات وأماكن العمل والتموين وغير ذلك.
والحب ليس دائما أحد قواعد لعبة الإنجاب. فهناك أسباب أخرى وراء ذلك كالحرب والنكسة والكساد والجهل والفقر. نعم الفقر بعينه. فعندما تكاد تنعدم سبل الحياة أمام اثنين تحت سقف واحد لا يبقى امامهما سوى ممارسة "الحب" الذي لا يمت بصلة للحب وإنما من باب العادة فقط.
والأمر شرحه، في مجتمعاتنا الشرقية، حيث تمتاز الأسر الفقيرة بكثرة انجابها " لأولياء العهود"، الذين يفتقر معظمهم لأدنى مقومات المعيشة الكريمة، بل أن كثير منهم لا يملك "هوية" مدنية.
والمأثورات الشعبية التي تؤكد على " اللي مالوش ولد عديم الظهر والسند"، "أنجب ابنا يحمل اسمك" مازالت متداولة ومتوارثة عبر الأجيال، على الرغم أن معظمهم يجري وراء قوت يومه ولا يكاد يكفيه، لكن تجد لديه من الأبناء خمسة أو ستة.
وهناك من لا يؤمن بضرورة تناول وسائل منع الحمل، فمسالة تحديد النسل بالنسبة لهم تعد " منتهية" والنقاش فيها يشكل تعدي على سنة الله على الأرض. ها هنا، يصبح النقاش عقيما وفكرة الإنجاب أكثر خصوبة.
فلا تعنت الصين في تحديد النسل بواقع طفل واحد للأسرة نفع، ولا الشيخوخة التي طالت الإنجليز الذين عزفوا عن الإنجاب أفادت. فكلاهما أخل بالتوازن الطبيعي الكوني بأن "لا إفراط ولا تفريط ".
ورغم اتسام المجتمعات الحديثة بالأسرة " النووية"، إلا أننا لا نستطيع إغفال عوامل اجتماعية وسياسية عدة تمر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من حروب وثورات وتضخم وغلاء معيشي وكساد اقتصادي وموجات الربيع العربي وأمراض معدية والتي تحاصر الكثير في منازلهم وتحصر أنشطتهم في لعبة الإنجاب.
وبالدخول إلى واحدة من الأحياء الشعبية في أي بلد عربي، لا يفتأ الواحد عن التعجب من أعداد ابناء البيت الواحد. وما من حديث عن الكثافة السكانية إلا ويعيد أذهاننا إلى إحدى الأسر التي نعرفها وتحمل رقما كبيرا من الأبناء والبنات. واذا كانت تلك الأسرة معدمة فسنرى معظمهم يملئون الأزقة الضيقة والشوارع. مما يولد مشكلات وظواهر أخرى كالأمية والتسول وأولاد الشوارع والتعرض للاغتصاب والتحرش وارتفاع الجرائم الجنائية.
وعلى الرغم، من أن كثيرون يرون أن دول الخليج مازالت محصنة في هذا الشأن، حيثما تشير إحصاءات ٢٠١٩ إلى أن نسبة النمو السكاني بالمملكة بلغت ٢.٤%، لكن نسب النمو متغيرة بحسب ما يشهده المجتمع من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وصحية.
وبنظرة سريعة على عداد سكان العالم وحتى نشر هذه المدونة، نجد أن سكان الكرة الأرضية قد تجاوزوا ٧ مليار و٨٠٠ مليون نسمة. بواقع ٢٥ مليون مولود منذ بداية هذا العام. ونسبة نمو سكاني تفوق ١٥ ألف حتى الآن فقط.
والمشهد في مصر مرأة لما يحدث في مجتمعات عربية شقيقة اخرى. وكلاسيكيات القرن الماضي مازالت تعيدها مشكلاتنا الاجتماعية الحديثة اليوم.
