أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أفواه وأرانب ... الانفجار السكاني بين أسطورة "العزوة" عند العرب وسياسة الطفل الواحد في الصين واسألوا البيبي بومرز عن "لعبة الخلفة"

لم يبالغ الفيلم الكلاسيكي المصري الإنتاج " أفواه وأرانب " بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين، عندما تعرض لمشكلة مصر في مواجهة الانفجار السكاني في كثير من القرى والمناطق المصرية في ثمانينيات القرن الماضي.

كما لم تأت عصفورة " ما تنسيش الحبة" من فراغ، والتي ظهرت في إعلان مسلي وخفيف وهادف، بهدف تنظيم النسل الذي ظهرت بوادر تضخمه بمصر مع ستينيات القرن. ليتحول هذا الإعلان بعد ذلك إلى " افييه " بخفة ظل مصرية معهودة، تناولته وسائل الإعلام والناس لفترة طويلة. في ايحاء إلى ضرورة التوقف عن الإنتاج البشري في غرف النوم. فالحكومة والشوارع المصرية لم تعد تحتمل كل هذا الحشد من السكان.

واليوم، وقد تجاوز سكان مصر المائة مليون مع شهر يناير من هذا العام، يبدو أن هذا الرقم لا يُرضي الحكومة أو الشعب، بسبب الازدحام الخانق في كل مكان. فضلا عن تضاءل حصص الفرد من المساحة والتموين والماء والهواء أيضا.

و لابد أن المساحة الاعتبارية العالمية بين كل إثنين، والتي تقدر بمتر واحد، تكاد تنعدم بين المصريين في القطارات والباصات والميكرو باصات وأماكن العمل والتموين وغير ذلك.

المصريون هم أكثر الشعوب خصوبة تماما كالهند والصين بغض النظر عن فارق الإحصاءات السكانية والتوزيع الديموغرافي. والأنظمة القبيلة والأسرية العربية هي أكثر الأنظمة دعما للخصوبة ومد "شجرة العائلة". ومفاهيم الذكورة لدينا تؤمن بالخصوبة وكثرة النسل. فالرجل لا يصبح رجلا إلا إذا خلف من الأبناء عشرة أو مائة. والرقم لا يهم ما دام يتقدمه صفر إلى اليمين.

والحب ليس دائما أحد قواعد لعبة الإنجاب. فهناك أسباب أخرى وراء ذلك كالحرب والنكسة والكساد والجهل والفقر. نعم الفقر بعينه. فعندما تكاد تنعدم سبل الحياة أمام اثنين تحت سقف واحد لا يبقى امامهما سوى ممارسة "الحب" الذي لا يمت بصلة للحب وإنما من باب العادة فقط.

فجيل طفرة المواليد " البيبي بومرز" بين أربعينيات وستينيات القرن الماضي في امريكا الشمالية يدركون تماما المقصد من ذلك. فهم يعرفون ظروف الحرب العالمية الثانية التي كانوا نتاجا لها.

والأمر شرحه، في مجتمعاتنا الشرقية، حيث تمتاز الأسر الفقيرة بكثرة انجابها " لأولياء العهود"، الذين يفتقر معظمهم لأدنى مقومات المعيشة الكريمة، بل أن كثير منهم لا يملك "هوية" مدنية.

"الابناء اعمدة البيت". فكم عامود على الاسرة أن تستند عليه! فلدينا كثير من الأسر السعودية والخليجية تؤمن بكثرة الإنجاب وخلفة الصبيان بالذات، وترى في هذا الشأن "عزوة" سيما مع قوة تأثير النظام القبلي والعائلي بغض النظر عن مستوى الأسرة المالي.

والمأثورات الشعبية التي تؤكد على " اللي مالوش ولد عديم الظهر والسند"، "أنجب ابنا يحمل اسمك" مازالت متداولة ومتوارثة عبر الأجيال، على الرغم أن معظمهم يجري وراء قوت يومه ولا يكاد يكفيه، لكن تجد لديه من الأبناء خمسة أو ستة.

كما يشجع الخطاب الديني على "الخلفة"، وأن كل طفل يأتي برزقه الذي كتبه الله له. بغض النظر عن التخطيط وملائمة ظروف الأسرة المادية. بل إن بعض الفتاوى تؤكد على مبدأ كثرة الإنجاب وأنها واجب ديني وشرعي، بل ووطني أيضأ.

وهناك من لا يؤمن بضرورة تناول وسائل منع الحمل، فمسالة تحديد النسل بالنسبة لهم تعد " منتهية" والنقاش فيها يشكل تعدي على سنة الله على الأرض. ها هنا، يصبح النقاش عقيما وفكرة الإنجاب أكثر خصوبة.

وسياسة " الطفل الواحد " لدى الصينيين لمواجهة سرعة النمو البشري لديهم، لا تبدو فكرة مشرقة بعد سنوات، حيث تلاها الكثير من التبعات والعواقب الانسانية واللاأخلاقية من إجهاض متكرر وتخلي الأسر عن ابنها الإضافي هربا من عواقب وخيمة قد تطالها من السلطات الصينية آنذاك.

فلا تعنت الصين في تحديد النسل بواقع طفل واحد للأسرة نفع، ولا الشيخوخة التي طالت الإنجليز الذين عزفوا عن الإنجاب أفادت. فكلاهما أخل بالتوازن الطبيعي الكوني بأن "لا إفراط ولا تفريط ".

ورغم اتسام المجتمعات الحديثة بالأسرة " النووية"، إلا أننا لا نستطيع إغفال عوامل اجتماعية وسياسية عدة تمر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من حروب وثورات وتضخم وغلاء معيشي وكساد اقتصادي وموجات الربيع العربي وأمراض معدية والتي تحاصر الكثير في منازلهم وتحصر أنشطتهم في لعبة الإنجاب.

وبالدخول إلى واحدة من الأحياء الشعبية في أي بلد عربي، لا يفتأ الواحد عن التعجب من أعداد ابناء البيت الواحد. وما من حديث عن الكثافة السكانية إلا ويعيد أذهاننا إلى إحدى الأسر التي نعرفها وتحمل رقما كبيرا من الأبناء والبنات. واذا كانت تلك الأسرة معدمة فسنرى معظمهم يملئون الأزقة الضيقة والشوارع. مما يولد مشكلات وظواهر أخرى كالأمية والتسول وأولاد الشوارع والتعرض للاغتصاب والتحرش وارتفاع الجرائم الجنائية.

وعلى الرغم، من أن كثيرون يرون أن دول الخليج مازالت محصنة في هذا الشأن، حيثما تشير إحصاءات ٢٠١٩ إلى أن نسبة النمو السكاني بالمملكة بلغت ٢.٤%، لكن نسب النمو متغيرة بحسب ما يشهده المجتمع من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وصحية.

فتجارب مصر والهند والصين في قضايا الانفجار السكاني، أكبر الامثلة على انطلاق العداد إلى أرقام مليارية دون توقف ومتسببة بضغط هائل على الكوكب. فإلى أي حد ساهمت التوعية لديهم في تحجيم المشكلة والحد منها مذ أكثر من ستين عاما؟!

وبنظرة سريعة على عداد سكان العالم وحتى نشر هذه المدونة، نجد أن سكان الكرة الأرضية قد تجاوزوا ٧ مليار و٨٠٠ مليون نسمة. بواقع ٢٥ مليون مولود منذ بداية هذا العام. ونسبة نمو سكاني تفوق ١٥ ألف حتى الآن فقط.

الانفجار السكاني عدو أي حكومة أو مجتمع لا يملك خطط واستراتيجيات تطوير لمواجهة الزيادة السكانية. فنسب النمو السكاني متغيرة ومتذبذبة من عام لآخر، ومن عقد لآخر. وأي مجتمع لا يولي اهتماما لهذا الأمر فسيجد نفسه أمام أزمة حقيقية لا مفر منها.

والمشهد في مصر مرأة لما يحدث في مجتمعات عربية شقيقة اخرى. وكلاسيكيات القرن الماضي مازالت تعيدها مشكلاتنا الاجتماعية الحديثة اليوم.

تعليقات